وردنا هذا الرد من الكاتب جورج عبيد على المقال الذي نشرته «الشرق الأوسط»، في الصفحة الثالثة عشرة بتاريخ 22-2-2020.
انبرى الزميل رامي الريّس بقراءة موسّعة لعهد لبنان الرئاسي، زعم فيها «أن الإخفاقات تفوق الإنجازات» جاعلاً «بقراءته الهادئة» الجملة التوصيفيّة عنواناً لمقاله، أو للقراءة التي أبداها على صفحة كاملة، عنوانها «حصاد الأسبوع».
توغّل رامي الريّس في قراءته بتفنيد مسيرة العهد، بإضاءة ملتبسة لمحطّة سابقة، كان العماد ميشال عون محورها حينما كان رئيساً لحكومة انتقاليّة مقابل حكومة أخرى في المنطقة الغربيّة برئاسة الدكتور سليم الحصّ. تعمّد رامي الإضاءة هنا، بعمليّة تجنّ واضحة على شخص العماد عون، محاولاً تبيانه وكأنه رجل النقائض، أو رجل متناقض مع نفسه، والنقائض تصبح بفهم رامي مدى للنقائص.
«التناقض الأوّل» الذي جرّنا إليه، تصوير العماد بأنه رجل غير ميثاقي، بقبوله المضي بحكومة فقدت ميثاقيّتها مع استقالة الوزراء المسلمين الثلاثة وانكفائهم في مناطقهم. وهنا لم يتنبّه صاحبنا، أنّ استقالة هؤلاء تمّت تحت ضغط مورس عليهم من قبل الزعامات الطائفيّة آنذاك، وكان السوريون في ذلك الوقت لاعبين كحلفاء مع الطرف الآخر، وكان وليد جنبلاط، الذي طلب من اللواء الراحل محمود طي أبو ضرغم تقديم استقالته، على وصال ووداد كبيرين مع السوريين، الذين شنّ عليهم العماد عون حرب التحرير. انسحاب الوزراء المسلمين من الحكومة احترابي، وقد جاء تمهيداً لتلك المواجهة، ولا علاقة له بالفلسفة الميثاقيّة، بل هو متناقض مع الفلسفة الميثاقيّة. فالتعيين الذي قام به رئيس الجمهوريّة أمين الجميّل، وبحسب الدستور القديم، شرعي وميثاقيّ، لكون رئاسة الحكومة بحال خلوّ الرئاسة من الرئيس يتولاّها ماروني، وليس سنيّاً، فتكون حكومة انتقاليّة تهيئ الطريق وتعبّدها لانتخاب رئيس خلف. فمن انسحب بضغط من رؤساء الأحزاب آنذاك، هو من هتك الميثاقيّة والشرعيّة.
خرج العماد ميشال عون من قصر بعبدا في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1989 ونفّذ اتفاق الطائف الذي زعم رامي الريّس بأنّ العماد عون رفضه. لقد رفض «الطائف» التسووي كحالة مرسومة شاءت قضم حقوق المسيحيين وهضمها ووضعها تحت جريرة الآخرين ليصير هؤلاء مستولدين بكنفهم. ولم يرفض النصّ البتّة ليقينه بأنّ كل نصّ قابل للإحياء والتطوير أو التعديل بتوافق الجميع، ولعلّ رامي يعلم أو لا يعلم أنّ الحرب الحالية التي تشنّ على لبنان مالياً واقتصادياً، وحزبه جزء منها، تملك هدفاً واحداً وكبيراً، هو إلغاء الطائف بمضمونه الدستوري، بعدما انتهى بمضمونه التسووي سنة 2003. هل يعلم الأخ رامي، أنّ الأميركيين، منذ سنة 2007، عاكفون على تغيير النظام السياسي بأسره؟ أي نظام الطائف - النصّ، والطائف - التسوية في آنٍ، ليقينهم أنّ هذا النظام غير قادر على حماية المصالح الأميركيّة بالدرجة الأولى، وكما قال مرّة ألكسندر هيغ؛ هو عندهم وطن عبور نحو الشرق الأوسط. العماد ميشال عون، أُخرج ونفي من لبنان، لأنه كان حجر عثرة بوجه تلك المنظومة المشرفة على شرق أوسط جديد، برسمته الظاهرة للعيان. الطائف - النصّ، يا رامي، بات هدفاً ولا يزال إلى الآن، لقد تمّ نقل لبنان، من «التمرّد العوني الحرّ» في قصر بعبدا إلى الحريريّة السياسيّة، ورئيسك يا رامي ركن جوهري من أركانها.
العماد ميشال عون انتخب على أساس الطائف - النصّ، لا الطائف - التسوية، ذلك أنّ النصّ منفصل بجوهره عن طبيعة التسوية المنكسرة. حاول الكاتب التسلّل اللفظي، بمحاولة تبيانه ذلك التناقض الذي وقع به العماد عون، في رفض الأمر وقبوله في لحظة واحدة، إذ إنّ المفهومين لا يستويان في قالب واحد. ونكرّر أنّ العماد عون المعروف بقراءته الواسعة وثقافته العميقة ورؤيته الاستراتيجيّة استطاع بفلسفته أن يقيم وزناً للنصّ الدستوري، بإعادة إحياء المادة 24 من الدستور، وبإعادة مقدّمة الدستور، ببنودها كافّة، حيث جعل منها قاعدة لحكمه، وبالتحديد الفقرة «ياء» حيث جاء فيها: «لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، فيما كان فريقك يا رامي قبل الطائف وبعده يعمل على مجافاة تلك النصوص ومعاكستها بالقول والفعل معاً، وبمحاولة الاستئثار بقرار المسيحيين في الجبل من دون أي مراعاة لخصوصيتهم الكاملة على مستوى لبنان والمشرق، ثمّ أقام الرئيس وزناً للمادة 49 من الدستور، وبهذا المعنى لا تبعة على رئيس الجمهوريّة إلا بخرقه الدستور، كما جاء في المادة 60 من الدستور، فلماذا استوقفتك المادة 95 من الدستور المتكاملة بالقول والفعل، مع مقدمة الدستور، ولا سيّما «الفقرة ه»، ولم تقم بربطها دستوريّاً بتلك الفقرة، وبالمادة 24 من الدستور حيث تمت إعادة الاعتبار للمناصفة الفعليّة بين المسيحيين والمسلمين، وجعلها المشرّع شرطاً فعليّاً لإلغاء الطائفيّة السياسيّة (المادة 95).
العماد ميشال عون يا رامي، وعلى عكس رئيسك، حارب السوريين بشرف، لكنّه صادقهم وحالفهم بشرف، كما قال عنه الرئيس بشار الأسد. وقف بوجههم حين كانوا في لبنان، وحين كنتم حلفاء لهم. وحين خرجوا من لبنان أعاد اللحمة معهم، فيما أنتم تنكرتم لكلّ الامتيازات التي أعطيت لكم من قبلهم، هل نسيت أن رئيسك، وبعد زيارته سوريا، ومقابلته الرئيس الأسد لإصلاح ذات البين، قال إن هجومه عليه كان ساعة تخلٍّ، ليركب موجة الهجوم عليه من جديد، ويسير بركب القوى المحارِبة لسوريا والتي حاولت إسقاطها، ولم تفلح.
أما فيما طرحه كاتب المقال حول النأي بالنفس، فاسمح لي هنا أن أقول إنّ موقف رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون خلال معظم القمم العربيّة التي حضرها، كان السباق في دعوته الدول العربيّة إلى إجراء تقييم عام للأحداث كلّها والعمل على مصالحة عربيّة - عربيّة، تقي العرب مزيداً من التدحرج إلى الهاوية. فالرئيس عون، منطلق من مبدأ واضح قائم على أنّ العلاقة اللبنانيّة - السورية لا تقل أهميّة عن علاقة لبنان بالخليج العربيّ، لبنان عند العماد ميشال عون جسر محبة ولقاء بين العرب. سوريا رئة جغرافية، تجمعنا بها حدود واسعة، وهي المدخل الجغرافي نحو العالم العربيّ، والخليج جزء من تراثنا، تجمعنا به الكرامة والعروبة، واللبنانيون الذين عملوا في الخليج، أخلصوا في عملهم له وساهموا ببنائه ورفعته.
وفي الختام، كل قضيتكم يا رامي مع رئيس الجمهوريّة تتمحور في مسألة واحدة، عنوانها قبرشمون. أنتم تخشون من إدانة واضحة للمعتقلين من جماعتكم بهذا الملفّ، أمّا قوّة الرئيس يا رامي فتنبع من تمثيله المبدئي للوجدان المسيحي بأكثريته المطلقة ثم من دوره الوطني الكبير. الرئيس يا رامي ليس حكماً، بل حاكم. أنتم تريدونه حكماً على صورة رئيسين سابقين مرّا على لبنان قبلاً بالسمسرات، فيما هو يشاء نفسه حاكماً بالعدل والحقّ بالمشاركة مع الجميع، نابذاً للصفقات والسمسرات، موطّداً دولة القانون. ميشال عون يا رامي أنجز قانوناً جديداً للانتخابات في عهده، وحرّر جرود البقاع الشمالي من المنظمات التكفيريّة الرابضة عليها «وكللها بالفجر»، ميشال عون أبطل وجود القوى التكفيريّة في لبنان، ميشال عون رفض دمج النازحين السوريين، بعكس رئيسك المتمسّك بهم كورقة ضغط، ميشال عون تحاربونه، لأنكم لم تنسوا أنّه في يوم من الأيام وفي سوق الغرب بالذات عصف بالوطنية والكرامة، وحين شاء مدّ اليد لكم، واجهتموه بالشغب، وكانت «قبرشمون» إحدى ثمراته.
10:21 دقيقه
TT
ردّاً على رامي الريّس ودفاعاً عن العهد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
