بعد أربع سنوات عصيبة، خرجت بريطانيا رسميا من الاتحاد الأوروبي قبل أيام عدة في أجواء غلبت عليها المشاعر المتناقضة ما بين محتفل بهذا الخروج، ومتشائم منه. ولكن المؤكد أن الجميع يترقب تأثير هذا الخروج على مدى الأحد عشر شهراً القادمة، وهي الفترة المحددة لمفاوضات الخروج بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. ولن يكون هذا الخروج سهلا بكل الأحوال، فالزواج البريطاني الأوروبي استمر لسبعة وأربعين عاما، بنيت خلالها علاقات تجارية وصناعات بريطانية اعتمدت على قوة الطلب الأوروبي، ورُسمت جدواها الاقتصادية بناء على صفريّة الرسوم الجمركية بين بريطانيا وبقية أوروبا، وعلى القوة الشرائية لدول الاتحاد الأوروبي. كل هذا قد يتغير خلال أقل من سنة واحدة، سوف يُناقش خلالها كم هائل من الأنظمة بين الطرفين، ولن تكون هذه النقاشات سهلة بكل تأكيد، لا سيما على البريطانيين الذين لم يدخلوا في مفاوضات تجارية مباشرة منذ أكثر من 40 سنة.
وحتى تُستوعب ضخامة هذه المفاوضات، يكفي معرفة أن نصف الصادرات البريطانية تذهب إلى أوروبا بما يقارب 300 مليار جنيه إسترليني، يشكل منها القطاع الخدمي نسبة تزيد على 40 في المائة. كما أن نصف الواردات إلى بريطانيا تستورد من الاتحاد الأوروبي. والعلاقة التجارية بين الطرفين شبه متوازنة، فعجز الميزان التجاري غير مؤثر في العلاقة، وهو عجز صحي عادة ما يتأرجح من مصلحة طرف للآخر. والملف التجاري - على أهميته - ليس الوحيد المطروح على طاولة النقاش، فالملف الأمني قد يفوقه أهمية، وقضايا الهجرة محل نقاش ساخن لا سيما في ظل الشعوبية اليمينية المهيمنة على الشارع السياسي الأوروبي. وهذه القضايا مؤثرة جدا في الجانب الاقتصادي، فعلى سبيل المثال، يعد قطاع التصنيع الغذائي أحد أكبر خمسة قطاعات صناعية في بريطانيا بحجم يزيد على 450 مليار باوند (جنيه إسترليني)، وبعدد موظفين يقارب 4 ملايين موظف، وأكثر من ثُلُث هؤلاء الموظفين يحملون جنسيات أجنبية، غالبيتهم من دول أوروبا الشرقية التي كثيرا ما انتقد وجودها مؤيدو (بريكست). وإن طبقت الأنظمة المقترحة والتي قد تغير الحد الأدنى للأجور للمهاجرين، فسوف تتأثر صناعات الأغذية سلبا في بريطانيا، سواء باختلال موازين اليد العاملة، أو بارتفاع التكاليف التي قد تنعكس على أسعار الأغذية.
وهذه الصدمات الاقتصادية قد بدأت فعلا منذ اليوم الذي أعلنت فيه نتائج تصويت الخروج من الاتحاد الأوروبي، فقد أوضح بنك إنجلترا (المركزي) أن الاقتصاد البريطاني يخسر أسبوعيا ما يقارب مليار دولار بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي، كان ذلك قبل الخروج رسميا وبسبب حالة عدم الاستقرار والتيقن التي عانى منها قطاع الأعمال. هذه الحالة سببت انخفاضا في الاستثمارات داخل بريطانيا بنسبة 3.7 في المائة في عام 2018، بينما زادت الاستثمارات في ذات المدة لدول مجموعة الدول السبع بأكثر من 6 في المائة. وخلال الأربع سنوات الماضية، فقد الجنيه الإسترليني 15 في المائة من قيمته أمام الدولار، مما رفع أسعار البضائع المستوردة لبريطانيا وأثر على المستهلك المحلي. وقبل تصويت الخروج عام 2016، كانت بريطانيا صاحبة أسرع نمو اقتصادي بين الدول السبع، لينخفض معدل النمو السنوي بعد ذلك من 2 في المائة إلى أقل من 1 في المائة. ولا غرابة في كل هذه الأرقام، فخلال الأربع سنوات الماضية شهدت بريطانيا 3 انتخابات رئاسية، وتصادما علنيا بين الحكومة والبرلمان البريطانيين.
إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد ألقى بظلاله على بريطانيا قبل حتى أن يتم، ولعل في إعلان هذا الخروج رسميا خلاصا من التذبذب الذي استمر لأربع سنوات. والشارع يتطلع الآن إلى مدى مصداقية وعود بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الذي يراهن في مرحلته القادمة على الولايات المتحدة كبديل لأوروبا، وهذا الأمر وإن تم، فتنفيذه من الناحية الواقعية يحتاج إلى وقت طويل، فالمعايير الصناعية بين بريطانيا والولايات المتحدة مختلفة تماما، وإن غيرت بريطانيا هذه المعايير فهي تزداد بعدا عن الاتحاد الأوروبي سواء من ناحية التصدير لها أو حتى الاستيراد منها، وهو أمر يتطلب موافقة أطراف كثيرة. ولذلك فإن الانتهاء من هذه الاتفاقيات سواء من الاتحاد الأوروبي نفسه أو مع الولايات المتحدة يصعب الانتهاء منه خلال هذا العام كما هو مقرر، وجونسون الذي أوضح مرارا أنه لن يحاول تمديد مدة المفاوضات، قد يخلف في هذا الوعد على الأقل، وذلك نظرا لطبيعة هذه المفاوضات وأهميتها التي قد تتطلب سنوات للوصول إلى حلول شاملة متفق عليها.
8:33 دقيقه
TT
الطلاق الأوروبي البريطاني
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
