روايتي لقصة سيد قطب مع يوسف شحاتة ومجلة «العالم العربي»، اعتماداً على المصدرين اللذين اعتمد عليهما عبد الله الخباص في رواية تلك القصة على نحو مبتور، تبيّن عكس ما ذهب إليه، فسيد آثر الصمت، وجبن أن يرد على ما قاله عنه رئيس تحرير مجلة «العالم العربي» الجديد، محمود العزب موسى، وعلى ما قاله عنه صاحب المجلة مدير إدارتها يوسف شحاتة.
في كتاب صلاح عبد الفتاح الخالدي «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد»، الذي أصدره عام 1991، تناول مرة أخرى قصة سيد قطب مع مجلة «العالم العربي»، وأعاد قوله السابق إنه لا يعرف سبب الخلاف بينه وبين يوسف شحاتة.
الجديد في تناوله هذا نقله قول عباس خضر: «ووجدت ذلك فعلاً عند سيد قطب لما تقدم في حياته، وفي أدبه، واستقل بشخصيته عن العقاد، وإن ظل صديقاً موالياً له. ولم تمنع هذه الصداقة سيد قطب، رئيس تحرير مجلة (العالم العربي)، من أن ينشر هجوماً على العقاد في المجلة، على نحو ما ذكرت في الكلام على العقاد».
لنورد ما قاله عباس خضر عن سيد قطب، وعن مجلة «العالم العربي»، في كلامه عن العقاد.
قال ــ وهو يعدد وقائع جرت له مع العقاد: «ولكن قاصمة الظهر كانت في مجلة متحررة جداً، أسندت رياسة تحريرها إلى الكاتب الساخط على الأوضاع سيد قطب، أظن أنها مجلة (العالم العربي) في ثوب جديد، وطلب مني سيد قطب أن أكتب بمنتهى الحرية، وكتبت عدة مقالات بعنوان (الأفكار العارية)، نقدت فيه كتابة المازني في (أخبار اليوم)، إذ كان أسرف في الإثارة الجنسية على نهج الجريدة التي اتخذت من كاتب أديب مثل المازني وسيلة لنشر الأفكار العارية، إلى جانب صورة الأفخاذ العارية. ثم جاء الدور على العقاد، وكان قد قال قصيدة في رثاء النقراشي، وازنت بينها وبين قصيدة على الجارم في الغرض نفسه، والمناسبة ذاتها، وخرجت من الموازنة بأن لا فرق بين الاثنين، وأن مسألة القديم والجديد ما هي إلا من الأساطير التي لا وجود لها في الواقع... وكان سيد قطب من تلاميذ العقاد ومريديه... ولكنه كان حريصاً على شخصيته المستقلة، وتحرره من كل ما يعوق إبداء الرأي، وأمسكته من هذا الزمام وأنا أقدم له ذلك المقال الذي ينال من أستاذه، فنشره رغم ولائه للأستاذ!».
راجعت أعداد مجلة «العالم العربي» في عهد رئاسة تحرير سيد قطب لها، من العدد الأول إلى العدد الرابع، صفحة صفحة، ثم وجدت أن عباس خضر واهم فيما قاله، إذ لا يوجد فيها مقالات بعنوان «الأفكار العارية»، ولا يوجد فيها مقال نقد فيه المازني، ولا هجوم على جريدة «أخبار اليوم». كما لا يوجد له، ولا لسواه، ولا من دون توقيع، مقال في نقد العقاد.
لقد نسي عباس خضر أن رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي اغتاله الإخوان المسلمون في عام 1948، وسيد قطب ترأس تحرير تلك المجلة لمدة أربعة أشهر من عام 1947.
الباحث شريف يونس، في رسالته للماجستير «سيد قطب والآيديولوجية الأصولية»، المطبوعة في كتاب عام 1995، يدعي - بخفة ثورية وشطح ماركسي ــ أنه وقف على السبب الحقيقي لذلك الخلاف.
ففي الفصل الأول من كتابه، قال: «ورغم هذا الكبرياء المسعور، ورغم هذا التشبث بالترفع والاستعلاء - أو بسببهما - فقد كانت لسيد قطب سقطاته القليلة التي خالف فيها مبادئه، بحثاً عن موضع قدم فيما يبدو، تحت تأثير طموحه الكبير، ورؤيته للجو الحافل بالاستثناءات والمكاسب التي يحققها المتلقون للمراتب العليا. ومن أهم أمثلة ذلك تورط سيد قطب في مناسبتين مختلفتين تماماً في مدح الملك فاروق. ففي عام 1938، يكتب قصيدة من سبعة وثلاثين بيتاً في مدحه، بمناسبة زواجه، تحفل بالتصنع والافتعال، ارتفع فيها به إلى مستوى الخير الخالص، وأمل الشعب على مدى التاريخ، بل وأحنى له جبهة الشاعر التي لم تنحنِ إلا للعقاد، فنصبه مصدراً لإلهامه الشعري، متغافلاً عن سابق نقده العنيف لشعراء المناسبات، وتشبيهه لهم بالمتسولين وخدمة الفنادق. ومرة أخرى، وفي عام 1947، وفي مجلة (العالم العربي)، بمناسبة استضافته للأمير عبد الكريم الجزائري، ليعود نادماً، ويستقيل من رئاسة التحرير، بعد إصداره عدداً إضافياً، لأسباب ترجع إلى (مبادئه الخاصة) التي يفهم، من متابعة الأعداد التالية لاستقالته، أنها تتعلق برفض تحويل المجلة إلى أداة لمدح ملوك العرب ملكاً ملكاً بالتتابع، كما لو كانوا رموز العروبة. ولا شك أن سيد قطب لم يكن انتهازياً متسلقاً - كما درج خصومه على وصفه - وإنما كان يعكس في سقطاته هذه تناقضاته الداخلية الأصلية، وخصوصاً خوفه الشديد أن يهضم حقه، أو ما يراه حقه».
وقد كتب ضمن تهميشاته على كلامه هذا: «راجع مثلاً العدد الخامس من مجلة (العالم العربي)، أول عدد تال لاستقالة سيد قطب، حيث تتصدره صورة الملك فاروق، وكلمته الملكية بمناسبة شهر رمضان، وراجع سلسلة الملوك العرب في الأعداد التالية».
بعبارة صريحة، سأدك التفسير الذي قدمه دكاً دكاً، من جوانب متعددة، وعلى مستويات مختلفة، لأنه كانت بين يديه وثائق كافية ليعرف السبب الحقيقي للخلاف، لكنه جافي الموضوعية، واختار أن ينحرها على مذبح التخيلات الثورية السطحية الزائفة.
خطيئة سيد قطب الأولى عند شريف يونس أنه مدح الملك فاروق بقصيدة عام 1938، بمناسبة زواجه الأول من صافيناز ذو الفقار، أو الملكة فريدة بعد زواجها منه. لماذا عدّها شريف سقطة من سيد قطب؟ لأنه - كما علل - تغافل عن سابق نقده العنيف لشعراء المناسبات، وتشبيهه لهم بالمتسولين وخدمة الفنادق، ثم أحال في الهامش إلى كتيب سيد قطب «مهمة الشاعر في الحياة» الذي أصدره في عام 1932، وإلى مقالين نشرهما في «الأهرام» و«الأسبوع» في عام 1934.
إن الغض من شعر المناسبات، والإزراء بفن المديح في القصيدة العربية، والتشنيع عليها بافتقارها إلى الوحدة الموضوعية... إلخ، تصاعد الحديث فيه بداية عشرينات القرن الماضي. وقد جاء نتيجة لتأثر بعض أدباء العرب بالأدب الغربي، وبمعاييره ومبادئه وموضوعاته. وسيد قطب تعرف على هذه المعايير والمبادئ والموضوعات عن طريق كتب العقاد، ومقالاته الأدبية والنقدية. وكتيب سيد قطب ومقالاه اللذان أحال إليهما مستنسخة أفكارها من آراء العقاد. فالعقاد هو أستاذ ومعلم وملهم سيد قطب في الأدب والنقد والفن والفكر، وهو أنموذج الشاعر المتفرد عنده - يا للإفك - في الأدب العربي، القديم والحديث! وهو عنده - يا للهول - يبز شعراء الغرب!
أستاذ ومعلم وملهم سيد قطب سبقه في مدح الملك فاروق، نثراً وشعراً، وأغلبية أدباء مصر مدحو الملك فاروق، نثراً وشعراً، وفيهم من هو أهم وأعلى شأناً من سيد قطب.
قد لا يعلم شريف أنه من المعروف إلى حد الابتذال أن ما نادت به مدرسة التجديد في الشعر وفي الأدب قد خالفته وناقضته بعد بضعة عقود، وعلى رأس هؤلاء كان العقاد، أستاذ ومعلم وملهم سيد قطب. وهذه المخالفة والمناقضة كانتا تترى إلى يومنا هذا. إن الإيمان النظري سهل، لكن تطبيقه والتساوق معه صعب، ولا يطيق تطبيق الإيمان النظري والتساوق معه سوى قلة قليلة من النقاد والشعراء والمثقفين.
سيد قطب في السنة التي مدح الملك فاروق فيها بقصيدة كان منضماً للحزب المنشق عن حزب الوفد، تقليداً وتبعية لأستاذه ومعلمه وملهمه. هذا الحزب هو الحزب السعدي. والحزب السعدي كان متحالفاً ومدعوماً من القصر الملكي. ولهذا السبب كان يصنف هذا الحزب عند خصومه على أنه حزب ملكي.
وفي الفترة الزمنية التي مدح سيد قطب الملك فاروق فيها بقصيدة، كان الملك فاروق يحوز على شعبية واسعة في المجتمع المصري، وكان ملكاً محبوباً عند أغلبيتهم.
خطيئة سيد قطب الثانية، عند شريف يونس، انسياقه - حسب تعبيره - إلى مدح فاروق بمناسبة استضافته للأمير عبد الكريم الجزائري؛ والصحيح أن اسمه الأخير الخطابي، وليس الجزائري.
المادة الصحافية المنشورة في العدد الثالث من مجلة «العالم العربي»، تحت عنوان «بطل الريف في حمى الفاروق»، التي يرى أن سيد قطب كتبها من دون توقيع، هي تقرير إخباري نشر على صفحة واحدة، حوى تعريفاً بالأمير محمد عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف، والمثال العظيم في زمنه في النضال المسلح ضد الاحتلال الإسباني والاحتلال الفرنسي لأرض المغرب. وبسبب تعاضد المستعمر الفرنسي مع المستعمر الإسباني، تمكنا في الأخير من هزيمة جيشه. وبعد هزيمته، نفته فرنسا، هو وجمع من أسرته، وجملة من حاشيته، إلى جزيرة قصية في المحيط الهادي، اسمها جزيرة لارينيون، عام 1926م. وفي عام 1947، أرادت فرنسا نقله من منفاه هذا إلى منفى جديد في جنوب فرنسا. الحكاية تفصيلاتها كثيرة، وما يهمنا منها في هذا المقام أنه قبل أن تمر الباخرة التي تحمله هو ومن معه إلى ميناء السويس وميناء بورسعيد، وضعت خطة - أشرف عليها الملك فاروق - لتهريبه إلى القاهرة. ونجحت هذه الخطة بقبول الأمير الخطابي دعوة الملك فاروق لاستضافته، وموافقته على اتباع خطوتي الخطة.
إن إنقاذ الملك فاروق للأمير الخطابي من احتجاز الفرنسيين له هو من مفاخره، وكان يستحق كثيراً من التحية والإشادة. ومع أن هذه المفخرة كانت تستحق التحية والإشادة، فإن الملك فاروق - يا للأسف - لم ينل منها سوى النزر اليسير، في أول التقرير وفي آخره. فلقد قيل في أوله: «بطل الريف الذي حماه ملك الوادي العظيم، وراعي العروبة الأول فاروق الأول»، وقيل في آخره: «هذا هو البطل الريفي نزيل مصر الآن، وضيف فاروق العظيم».. وللحديث بقية.
9:30 دقيقه
TT
خفّة ثورية وشطح ماركسي
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
