هدى الحسيني
صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار» في بيروت، و«النهار» العربي والدولي و«الوطن العربي» في باريس ، و«الحوادث» و«الصياد» في لندن . غطت حرب المجاهدين في افغانستان، والثورة الايرانية، والحرب الليبية - التشادية، وعملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى. حاورت الخميني والرئيس الأوغندي عيدي أمين.
TT

إدلب على طريق القبرصة بمعركة أو من دونها

يقولون إن الرئيس السوري بشار الأسد «انتصر»، وتوّج انتصاراته بإبلاغ العائلات السورية عن موت آلاف من أبنائها الذين كانوا قيد الاعتقال، وبعض إفادات الموت «كانت صريحة»، فالأبناء ماتوا تعذيباً قبل سنوات، تماماً كما فعل «داعش» بالجنود اللبنانيين الذين خطفهم في عرسال، وظلوا يرسلون رسائل هاتفية إلى أهاليهم يزرعون لديهم الأمل، وهم يعرفون أنهم قتلوا الجنود قبل سنتين. وكما تم إخراج «داعش» من لبنان بـ«باصات» مبردة، هكذا سيتم إخراج الأسد من كل ما ارتكبه. الآن عادت صوره تملأ مداخل الحدود، وجه مبتسم وعبارة تقول: «من سوريا المنتصرة رافقتكم السلامة». وكأنه يعرف أنه في زمنه البشع، الداخل إلى سوريا مفقود، والخارج منها مولود.
لقد اعترف الأسد لأول مرة علناً بأن آلاف السجناء ماتوا في السجون، وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» لمحت إلى أن بعض الإشعارات تشير إلى إعدامات جماعية. كان الإفراج عن المعلومات، وليس عن المساجين، غير متوقع وعشوائياً. في بعض المناطق نشرت الحكومة أسماء المتوفين حتى تحصل عائلاتهم على شهادات الوفاة، وفي بعض الحالات قام ضباط الأمن شخصياً بإبلاغ ذلك إلى العائلات. ويرى النظام أنه بهذا العمل أغلق فصلاً، لينتقل منه إلى فصل جديد، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، ولا بد أن يخرج من سيطالب بتبيان الحقائق وإظهارها على النحو الذي كانت عليه، لتكون ملامح الغد على وضوح.
مظاهر تجدد الثقة لديه أظهرها الأسد للدلالة على قوته، مع العلم أنه يعتمد كلياً على قوى خارجية للبقاء. ويوم الاثنين الماضي اتهمت موسكو، واشنطن، بأنها إذا لم تساهم في إعادة بناء سوريا، فإنها تريد إبقاء اللاجئين السوريين خارج بلدهم. من أجل الأسد تدمرت سوريا، والآن بحجة اللاجئين يريدون تعويمه، وبأنه أعاد إعمار سوريا. على كلٍ تَلوحُ في الأفق تحركات لهجوم جديد في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، على طول الحدود مع تركيا. إنها آخر محافظة سورية لا تزال خارج سيطرة النظام. كانت إدلب حسب تعبير الأمم المتحدة «أرضية إغراق» للمقاتلين المتمردين وعائلاتهم، نظراً لما سُمي اتفاقات الإخلاء التي فرضها النظام على حمص وحلب وضواحي دمشق وغيرها من ساحات المعارك والاعتصام التي أعلنها النظام «محررة». لم يكن يوجد خيار آخر للنازحين سوى الذهاب إلى إدلب.
في إدلب هناك تركيا التي لديها الآن 1300 جندي متمركزون في عشرات المواقع الأمامية، وهناك روسيا، وللبلدين مصالح متنافسة. تهدف موسكو للقضاء على الوجود الإرهابي في إدلب، وما يقلق أنقرة هو هجرة جماعية أخرى إلى تركيا إذا ما وقع هجوم عسكري ساحق. قد يتم تسليم بعض أجزاء من إدلب إلى نظام الأسد، لكن إذا قررت روسيا أن تضع يدها على نطاق واسع لصالح تركيا، فإن أجزاء كبيرة من شمال غربي سوريا ستبقى خارج وصول بشار المنتصر في المستقبل المنظور.
يقول محدثي: لن تكون هناك نهاية نظيفة لهذه الحرب؟ ثم إن روسيا لا تحتاج إلى ذلك، فمن مولدوفيا إلى أوسيتيا الجنوبية إلى شرق أوكرانيا، فإن الكرملين يميل إلى ترك الأوضاع فوضوية فهذا من مصلحته. ويضيف: وكما رأينا في قبرص فإن تركيا تميل إلى مفهوم الحلول المؤقتة التي لا نهاية لها.
إن مستقبل سوريا مع انتهاء الحرب يمكن أن يكون سلسلة من الصراعات المحلية شبه المجمدة: اعتماد على تركيا في الشمال الغربي، وشبه جمهورية كردية في الشمال الشرقي بدعم من الولايات المتحدة. إنه تداخل جيوسياسي قد يكون أو لا يكون له حل.
في سوريا لا توجد دولة، بل خليط من الميليشيات معظمها تحت سيطرة إيران. الاقتصاد ممزق، وهناك أيضاً جماعات متمردة وإسلامية تعمل حتى في المناطق القريبة من معقل النظام، الأمر الذي يعطل أي إحساس بالوضع الطبيعي الذي يشعر المراقبون وكأنه يستقر.
لذا، وربما على مستوى أدنى من السابق، وعلى الأقل في المدى القصير، فإن الصراع مستمر، ومن المرجح أن يستمر طالما ظل الأسد في مكانه.
أيضاً لا يمكن التنبؤ بحسم وضع إدلب. فإذا اختار الأسد، وداعمه الإيراني، احتلال إدلب ستقدم روسيا الدعم العسكري الحاسم، على الرغم من عدم رغبتها في تمزيق العلاقات مع تركيا. تركيا توجست من الأمر، فأقامت 12 موقع مراقبة عسكرية شمال إدلب، وبدأت قبل أيام تسيير دوريات، قال الأميركيون إنها ستكون مشتركة معهم داخل منبج. هي تعارض تصعيداً كبيراً في إدلب، وتصفها بـ«الخط الأحمر»، لأنها تخشى من أن يغرقها لاجئون جدد.
من غير الواضح ما إذا كان الأسد يستطيع إعادة أخذ إدلب، إذا ما اختار الجيش التركي دعم بعض جماعات المعارضة لمقاومة أي هجوم يشنه النظام، لأن «القيود البنيوية للنظام لا تتحسن»، كما يقول محدثي. ثم إن «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تقود مجموعة «قوات سوريا الديمقراطية» نفت في الآونة الأخيرة تقارير تفيد بأنها تدرس دعم هجوم النظام على إدلب في إطار محاولة تهدف إلى الحصول على دعم دمشق لاستعادة منطقة عفرين الكردية المجاورة التي غزتها تركيا، واحتلتها في وقت سابق من هذا العام.
من زاوية أخرى، وفيما يتعلق بدور روسيا في هجوم رئيسي على إدلب، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أخيراً، أن روسيا وتركيا سوف تنسقان في إدلب. بالنسبة إلى محدثي فإنه يعتقد أن الأحداث الرئيسية ستكون في جنوب إدلب الذي شهد قصفاً مستمراً في الأيام الأخيرة، فتركيا ليست مستعدة لاستضافة ملايين من اللاجئين، ثم ألا تقول موسكو إنها تعمل على إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم لتجعل لبنان والأردن وتركيا يتنفسون من هَمّ هذا العبء؟
إذا انتهت الحالة بالهجوم على جنوب إدلب، فسوف تتمكن «هيئة تحرير الشام» (الخارجة من بطن القاعدة)، من التمسك ببعض المقاطعة، لأنه من غير المحتمل أن تؤدي الغارات الجوية وحدها إلى اقتلاعها بالكامل. إذا حدث ذلك، فسوف تستثمر تركيا بشكل أكبر في قوات المعارضة في إدلب، وسوف تنشئ قوة لمحاربة «هيئة تحرير الشام» في الشمال، بينما تمضي روسيا وسوريا وإيران في عمليات عسكرية في الجنوب.
إذا تركنا إدلب، وعدنا إلى الإفراج المفاجئ عن شهادات الوفاة الأخيرة، نتذكر أنه قبل أربع سنوات، أي قبل التدخل الروسي لإنقاذ الأسد تحدياً للخدعة الأميركية في ليبيا، التي أقنعت روسيا بالموافقة على إنقاذ بنغازي فقط، وانتهت بقتل العقيد معمر القذافي وتفتيت ليبيا، كان أحد المنشقين عن النظام يتقاسم آلاف الصور في واشنطن عن التعذيب في سجون الأسد، يومها صارت مسألة المساءلة والعدالة لسوريا من دون الأسد مفتوحة للنقاش. «إذا ظل الأسد في السلطة، فأنا لا أرى إمكانية للعدالة الانتقالية»، قال يومها محمد العبد الله المدير التنفيذي لـ«مركز العدل والمساءلة السوري» في واشنطن.
وفي عام 2014، قال ديفيد تولبرت رئيس «المركز الدولي للعدالة الانتقالية»: بالنسبة إلى المجتمع السوري نفسه يجب أن يكون هناك حساب مع هذه الانتهاكات إذا كان هناك أي أمل في مستقبل مستقر!
ويوم الأحد الماضي، وعلى قناة «إي بي سي» الأميركية، سُئل مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون: هل بقاء الأسد في السلطة نتيجة مقبولة للولايات المتحدة؟
فأجاب: إن الهدف الذي نلاحقه في سوريا والعراق هو تدمير «خلافة داعش».
بعد أربع سنوات المستقبل مختلف. نصر الأسد بشروط قاسية، حتى لو كان هذا النصر لا يضمن وحدة أراضي سوريا الكاملة.
لنتذكر، كم مضى من سنوات على وجود قوات تركية في شمال قبرص، حيث لا تزال هناك إلى اليوم، أي منذ العام 1974.
قبرص الشمالية صارت تركية، وسلخت عن قبرص الأم، ولا أحد في هذا العالم يجادل أو يسائل رجب طيب إردوغان عن ذلك!؟ ومن سيشك في انتصار الأسد حتى لو سلخت تركيا نصف إدلب؟