مع التغيرات الاقتصادية الحاصلة، نشأ جيل جديد من الشركات، اعتمد على مقاييس اقتصادية مختلفة، واستغل الطفرة التقنية التي حدثت منذ بداية الألفية حتى الآن، ليتوسع بشكل كبير، وليحقق نجاحات وقفزات عملاقة، وبينما احتاجت كثير من الشركات مسبقا لعقود من الزمن حتى تصل إلى هذه المراحل من التوسع والنجاح. اعتمد السواد الأعظم من الشركات الناشئة على تغيير التقنية لكثير من أسلوب الحياة العامة، والمتأمل في أسلوب الحياة قبل أقل من عشرين عاما، وأسلوب الحياة الآن، يجد أن الفرد باستطاعته اختزال معظم نشاطاته اليومية من خلال هاتفه الذكي، وبما أن ثورة الهواتف الذكية بدأت قبل أقل من 15 عاما، فإن معظم هذه التطبيقات والشركات (والتي تقيم بمئات المليارات من الدولارات اليوم) لم يكن لها وجود حين ذاك، فكيف نشأت هذه الشركات؟ وهل اعتمد مؤسسوها على أنفسهم بشكل تام حتى يصلوا إلى ما وصلوا له الآن؟
لعل أحد الانطباعات السائدة عن مؤسسي الشركات الناشئة، أنهم بدأوا من مرأب سيارة، أو من غرفة مهجورة فوق سطح مبنى قديم، ويحرص من يحاولون إلهام الناس على إيصال هذه الصورة عن كفاح مؤسسي الشركات الناشئة ليخدموا محاضراتهم وندواتهم عن أهمية الكفاح. ويستغل البعض الآخر قصص النجاح هذه للتقليل من أهمية الدراسة الجامعية أو التعليم العام معللين أن بعض أثرياء العالم من أصحاب الشركات الناشئة لم يتموا تعليمهم. وكلا الانطباعيين يحمل جزءا من الحقيقة، وليست الحقيقة الكاملة بالتأكيد. فمعظم الشركات الناجحة اليوم بما تعرف بـ«يونيكورن»، هي شركات اعتمدت على مستثمرين خارجيين، آمنوا بأفكارهم ودعموهم بأشكال عدة حتى يصلوا إلى ما وصلوا له الآن. وتطور هذا المفهوم سريعا، ليصل إلى مؤسسات عالمية تعرف بـ«حاضنات» الشركات الناشئة.
تتيح حاضنات الشركات الناشئة لأصحاب الأفكار الجديدة، أو من يُسمون بـ«رياديي الأعمال»، تتيح لهم الفرصة بالتطور بشكل موجّه، كما أنها تدعمهم بأشكال عدة، ويكون هذا الدعم ماديا، مثل أن تمولهم هذه الحاضنات بشكل مباشر، أو أن تتيح لهم الفرصة بمقابلة شركات تمويلية ومن ثم عرض أفكارهم ومشاريعهم عليها. كما أنها تدعم أعمالهم التجارية من خلال تقديم الدعم المحاسبي، أو التسويقي، أو القانوني، أو حتى الدعم الفني. وفي المقابل فإن هذه الحاضنات عادة ما تمتلك نسبة من الشركة الناشئة، تتراوح ما بين 5 إلى 7 في المتوسط، إلا أن هذا الدعم لا يكون مباشرا بكل تأكيد، بل يكون بشكل منهجي يعتمد على الحاضنة نفسها.
وقد تكون شركة «واي كومباينيتر» أشهر هذه الشركات على مستوى العالم، وهي الشركة التي ساهمت بشكل أساسي في نجاح شركتي «دروب بوكس» و«إير بي إن بي». وقد تم تأسيس هذه الشركة العام 2005، وحتى الآن فقد مولت أكثر من 1500 شركة ناشئة، ويبلغ تقييم الشركات التي مولتها على مدى هذه السنين أكثر من 80 مليار دولار. ولهذه الشركة برنامج دقيق صارم في مساعدة الشركات الناشئة ورياديي الأعمال، فهي تتيح لهم التقدم للبرنامج مرتين في السنة، ليدخلوا برنامجا مدته 3 أشهر في وادي السيلكون، يحضرون من خلاله دورات بشكل يومي، ومحاضرات لمن سبقوهم في تأسيس شركات ناجحة، ويتمكنون من مقابلة عشرات الرؤساء التنفيذيين خلال هذه المدة لاستقاء خبراتهم وتجاربهم. وتتشابه الكثير من حاضنات الشركات في هذه الفلسفة، فشركة «فاوندرز سبيس» المشاركة في تأسيس «انستجرام» و«فور سكوير» تمتلك برنامجا مشابها لسابقتها، وتمتلك أكثر من خمسين شريكا عالميا وتعطي هذه الدورات والبرامج في أكثر من 22 دولة على مستوى العالم. وهذا مؤشر على أن حاضنات الشركات إحدى الوسائل الفعالة لدعم الشركات الناشئة بدليل النجاحات الواضحة، وأن هذه الحاضنات نفسها تتنافس فيما بينها للحصول على أصحاب المشاريع والأفكار الجديدة كنوع من الاستثمار. وهذه الشركات يجب أن تجتذب إلى عالمنا العربي حتى يتمكن شبابنا من الحصول على هذه الفرص، والمشاركة في المستقبل الاقتصادي للعالم من خلال الشركات الناشئة.
وفي نهاية هذه البرامج يتم تنظيم ملتقيات بين أصحاب الأفكار الجديدة والممولين، ويكون لدى أصحاب المشاريع حينها فكرة عن كيفية تحويل مشاريعهم إلى أعمال تجارية، واللغة المستخدمة مع المستثمرين. وبعد 3 أشهر من التأهيل، يكون لدى صاحب المشروع الناشئ فكرة عن كيفية إدارة مشروعه، وعن تجارب من سبقوه، والأخطاء التي وقعوا فيها، وكيفية المنافسة، وهي معلومات وخبرات لم يكن لصاحب المشروع أن يتعلمها وهو في قبو بيته كما يروج المفتونين بالأفكار الحالمة، بل يكتسبها من مخالطة من نجح في هذا العالم، وحينها يستطيع شق طريقه للنجاح بأسلوبه الخاص.
TT
حاضنات الشركات الناشئة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
