زياد عبد الرحمن السديري
رئيس مجلس إدارة "المركز السعودي للتحكيم التجاري".
TT

الشجر و الغاب

يقول مثلٌ غربي: «كمن يبصر الشجر، ولا يرى الغابة»، والمقصود من هذا المثل هو أننا كثيراً ما ننصرف للتفاصيل، فنغفل الكُليّات، أو ننشغل بأمرٍ، وتفوت علينا أمورٌ أخرى أولى منه باهتمامنا، ويكون لارتباطنا بشاغلنا، ولاختياراتنا فيه، تبعات قد تكون جساماً تؤثر في الشأن الأهم على الأمد القريب أو البعيد، قد لا ندرك مبلغها في حينه.
فمجريات الأحداث لا تنشأ في فراغ، وما نقرّره اليوم في أمرٍ من الأمور سيكون له أثره غداً، أو بعد غدٍ، في مسائل ربما لم يكن بعضها في الحسبان وقت صنع القرار، وقد لا تكون ذات صلةٍ مباشرةٍ به. والأمثلة على هذا كثيرة. فالأحداث التي ألمّت بالعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، لم تبدأ بالحروب المشتعلة فيها الآن، وتفكك الاتحاد السوفياتي لم تكن أسبابه وليدة ساعتها، ولم يكن نجاح المشروع السعودي الذي انطلق من نجد، صدفَة من الصدف. هذه كلها أحداثٌ لم يحصل مخاضها بين ليلة وضحاها، بل كان لها جذورٌ امتدت على مر سنين، وبدأت بقراراتٍ ربما لم يُفطَن إلى تبعات بعضها وقت صُنْعِها.
والأمثلة على ما ذُكر موجودة كذلك في التجربة السعودية في ممارساتها الخارجية والداخلية معاً، في الماضي والحاضر على السواء. وعلى مستوى الشأن الداخلي الراهن، فالسعودية تمر الآن بتبعات تراجع أسعار النفط. وهذه مسألةٌ لا ينحصر أثرها في الشأن المالي فقط، وإن بدت كذلك، بل إن لها أبعاداً اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، أيضاً.
وعلى المستوى الاقتصادي، تشكل الاقتصاد السعودي في العقود الخمسة الماضية في ظل معطياتٍ ريعية، أحادية التكوين، أي اعتمد في تشكّله على مصدرٍ طبيعي واحدٍ، وهو النفط، وقام حراكه في مجمله على صرفٍ من الخزانة العامة، وتكوّنت جلّ منشآته في ظل توفر العمالة الأجنبية المستقدمة، وعلى الإعانات الحكومية بمختلف أشكالها. وتحويل هذا الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد من نوعٍ آخر يعمل بغير إعانات، ويوفر فرص العمل للمواطنين، لا يبدو بالأمر اليسير. وهو في كل الأحوال، أمرٌ يستدعي إكمال نواقص، وتصدياً لمعوقات تحتاج إلى التطويع.
وهناك، على المستوى السياسي، فرقٌ بين أن تقرر اعتماد مشروعات، وصرف إعانات، وتقديم مساعدات... وأن تقرر حجب هذه المُستحبات، وأن تفرض رسوماً، وضرائب، والتزامات أخرى ضرورية. ومؤدى هذا هو أن الآلة الصالحة لِصُنْع القرارات الأخيرة، ربما هي غير تلك التي صُنِعت بها القرارات الأولى.
والشعوب، على المستوى الاجتماعي، لا تتكوّن مفاهيمها، وتتبلور ثقافاتها، وتستقر قيمها في سويعاتٍ، أو أيام، أو بضع سنين، وإنما من خلال حقب طويلةٍ من الزمان. فقد كان أسلافنا، عند تأسيس دولتنا الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين، وسابقوهم، يعيشون عيش الكفاف، في ظل نظامٍ اقتصادي لا يعدو أن كان من «اليد للفم»، فكانوا من أشد خلق الله شكيمة، ومن أفضلهم مثالاً لما نطلق عليها الْيَوْمَ ثقافة العمل. فمن دونها ما كان لهم بقاء. وبعد مرور عقود من العيش الرغد، بفضل ثرواتٍ ورثناها، لا هي مكتسبة بأيدينا ولا متوقَّعَة منا، وفي ظل معطيات النظامِ الاقتصادي الريعي سابق الذكر، غدونا في الحاضر غير ما كنّا عليه من ذي قبل، وكسبنا مفاهيم، وقيماً، وثقافات، لا تتصور قابليتها الاستدامة. وخطأٌ كبيرٌ الاعتقاد بأننا نملك تغيير هذا الواقع غير المستدام لما هو أكثر استقراراً منه، ونستطيع أن نعيد بناء منظومتنا الاقتصادية، ونعيد تشكيل المنشآت التي تكوّنت في ظل معطيات هذه المنظومة، في برهة أو نحوها، لا في أمدٍ قد يمتد بطول العقود التي تحوّلنا فيها مما كنّا عليه في الماضي، لما صرنا فيه الآن، وبغير اختناقات أو أزمات.
نحن كثيراً ما نقع تحت تأثير ما نعدُّه مُسلَّمات، فلا نعيد النظر في مدى ملاءمتها، وفي جواز استمرار ممارستها، مع تغيّر الزمان، وتبدّل الظروف. فإذا وقع الأمر، وحدث الضرر، عنده نفيق من سباتنا، ونعجب من إغفالنا لما كان حريّاً بوعينا، وجديراً باهتمامنا، قبل أن يفوت الأوان.
إنه لجديرٌ بنا حقاً أن نمعن النظر في اقتناعاتنا، ونفهم حقيقة أوضاعنا وحجم تحدياتنا، فنبصر الشجر والغابة معاً.