عسكري وظريف

عسكري وظريف

الأحد - 21 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
رغم جدية الحروب ومرارات القتال، فإننا كثيراً ما نلتقي فيها بلمحات من الظرف والفكاهات وخفة الدم. أتذكر من ذلك القائد الفرنسي المارشال دوساكس. له كلمات خلدت في معظم اللغات. كان قد قالها لأحد الوزراء بعد عودته منتصراً بعد معركة إكس لاشابيل. ذهب إلى قصر فرساي لحضور مراسم التوقيع على معاهدة الصلح. فقوبل بحفاوة كبيرة نتيجة انتصاره البارع، ولكنه كان يدرك في صميم قلبه أن الحاضرين من الوزراء ورجال السياسة سرعان ما سينسونه، وعلى الأكثر ربما يحيلونه للتقاعد، كما حدث للمارشال مونتوغمري عند البريطانيين. تقدم أحد الوزراء لتهنئته على انتصاره البارع، فرد عليه دوساكس قائلا: «أنا أعلم ذلك جيداً. ولكن هذا لن يمنع من الوقوع في هوة النسيان. فنحن الضباط كالمعاطف، لا تفكرون بنا إلا عندما تشعرون بدنو هطول المطر».
لم تفارقه روح النكتة حتى في أحرج المواقف وتراكم الأخطار. كان يتفقد قواته في الجبهة وهو في عربة مع طبيبه الخاص سيناك. وكان القتال والقصف جارياً على قدم وساق. فتخوف الدكتور سيناك من ذلك ونبه المارشال إلى مخاطر وجودهما في عربة خفيفة وضعيفة في مثل هذا الموقف، فرد عليه قائلاً: «نعم هذا صحيح. أنزل زجاج نوافذ العربة»!
لا بد أن هذا الضابط القديم كان عنصراً نادراً بين إطارات القيادة وكبار ضباط الجيش الفرنسي. فقد اختلف عن الكثير منهم في عطفه وتعاطفه مع الجنود. وما في ذلك من غرابة. فروح الظرف والسخرية كثيراً ما ترتبط بالروح الإنسانية. ألح عليه رجال السياسة باحتلال منطقة معينة من ألمانيا. ولكن المارشال ظل يماطل في ذلك مؤكداً عليهم أن الموضوع سيؤدي إلى التضحية بعدد كبير من الجنود الفرنسيين. ثم أضاف إلى ذلك قوله، وهو ينظر في وجوه كبار القادة: «كان بالإمكان ذلك لو أن الموضوع توقف على التضحية ببضعة ضباط برتبة جنرال»!
وفي مناسبة أخرى، صادف أن شاهد المارشال دوساكس جندياً في طريقه إلى الإعدام، بعد أن صدر عليه ذلك الحكم نتيجة اختلاسه ستة فرنكات من خزينة الجيش. وكان الجندي من فصيلة رماة القنابل اليدوية، أو الرمانات، التي يزجونها اعتياديا في الصف الأمامي من المعركة. توقف دوساكس ليستفسر عن أمر هذا الجندي. وعندما أخبروه بالأمر خاطبه قائلاً: ينبغي أن تكون بائساً جداً لكي تغامر بحياتك من أجل ستة فرنكات.
فأجابه الجندي قائلاً: «إنني يا سيدي أغامر بحياتي في كل يوم من القتال لقاء مبلغ أقل من ذلك بكثير»!
أدرك المارشال حكمة الجواب فابتسم وأصدر أمره بالعفو عن ذلك الجندي. وكان مثله دليلاً آخر على روح الإنسانية التي اتسم بها هذا القائد الكبير.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
13/08/2017 - 04:16

دعنى استاذ خالداعقب على مقالك الظريف بشىء من الحزن الخفيف ظللنا نكتب ونقرأ عن القادة العسكريين العظام والذين حققوا الانتصارات الغالية لبلادهم ولن ينساهم التاريخ حتى لو نسيناهم وزاكرتنا المحدودة ولكن لم نكتب يوما عن منهم وراء هولاء الا بطال وهم زوجاتهم وابناءهم وكما قيل وراء كل رجل عظيم امرأة ان اعرف زوجة احد الضباط الابطال قتل وهو يحمل الرشاش فىيده حيث تم انذاره بالاستلام ورفض حتى نفذت زخيرته وتم هدم المبنى عليه حينما لم يتمكنوا منه وترك زوجته ابنة العشرين عاما التى لم تتزوج حتى الان رافضة كل عروض الزواج وهى الان تبلغ الخمسين من العمر صلوا معى من اجل هذه المرأة النبيلة وامثالها اخى خالد اكتب فانا تخوننى الكلمات

عمر الكونيل
البلد: 
United States
13/08/2017 - 04:19

الجندي لم يرتكب جريمه تذكر حتي يقتل وإنما شئ تافه ليس ذا قيمه فالقتل يستحقه العملاء الخونه الذين طعنوا الامه في ظهرها وما زالو في غيهم يعمهون ونحن عليهم بإذن الله غالبون ومنتصرون.

آدم الباي
البلد: 
تونس
13/08/2017 - 08:44

كلما وجدت مقالك بجانب مقالات كبار الكتاب من الصحفيين

أبجله بالقراءة أولا لأن كبار الصحفيين يبدأون بعدك مباشرة

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
13/08/2017 - 10:05

«كان بالإمكان ذلك لو أن الموضوع توقف على التضحية ببضعة ضباط برتبة جنرال».
في العالم المتحضر يتداول الناس هذا القول كطُرفة خلّدت قائلها. أمّا في أجزاء من عالمنا الثالث هذا، حيث يمثّل القول عين الواقع، فالتداول يجري همساً خلف الجدران، إذ قد يكلّف القولُ قائلَه حياته.
ما أحوجنا إلى أمثال "الفريق" دوساكس!

محمد أحمد محمد
البلد: 
القاهرة مصر
13/08/2017 - 18:20

فعلا المثال الاخير يدل على روح الانسانية التي يتسم بها هذا القائد الكبير.للأسف هذه الروح غائبة في بلادنا.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة