آفة العراق

آفة العراق

الخميس - 17 ذو القعدة 1438 هـ - 10 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14135]
«للمرة الأولى منذ عام 2003... السجن لمسؤول عراقي رفيع أدين بالفساد».
توقفت طويلا أمام هذا الخبر المنشور في «الشرق الأوسط» يوم الاثنين الماضي، لأنه ليس خبرا عاديا يمر عليه المرء مرور الكرام. فملف الفساد في العراق من الملفات الملغومة، وحجم الأموال الضائعة والمنهوبة منذ غزو 2003 مفجع، وتقدره بعض الجهات بأكثر من تريليون دولار. لذلك يرى قطاع واسع من العراقيين أن حرب الفساد يجب أن تكون هي الحرب المقبلة بعد هزيمة «داعش»، وأنه من دون كسبها لا يمكن للبلد أن يتعافى أو ينهض من كبوته الطويلة.
لكن الناس عندما يرون أن مسؤولا رفيعا واحدا فقط يُدان ويُسجن بتهم تتعلق بالفساد، بعد أن انتظروا 14 عاما لرؤية نتائج عمل وتحقيقات الجهات المختصة، فإنهم بلا شك سيشعرون بالإحباط. فالمسؤول الذي صدر ضده الحكم هو محافظ سابق، بينما هناك من هو أهم منه من وزراء ومسؤولين ترددت أسماؤهم، بل وجهت لهم اتهامات علنية، لكنهم لا يزالون طلقاء ولم تصلهم يد العدالة، ولم تستعد منهم الأموال الطائلة المفقودة.
العراق يقبع اليوم ضمن الدول العشر الأسوأ في مجال الفساد على مستوى العالم، وفقا لمنظمة الشفافية العالمية، إذ حل في المرتبة 166 من أصل 176 دولة. وربما لا يكون مفاجئا أنه بين الدول العشر الأسوأ عالميا كانت هناك خمس دول عربية أخرى هي سوريا واليمن والسودان وليبيا والصومال. العامل المشترك بين هذه الدول الست هو عدم الاستقرار السياسي، والحروب والنزاعات الداخلية، إضافة إلى غياب الشفافية والمساءلة والرقابة الحقيقية.
كل الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ غزو 2003 رفعت شعار محاربة الفساد، وأعلنت أنها تدعم عمل هيئة النزاهة التي أنشئت منذ عام 2004، ومنحها الدستور العراقي المجاز في 2005 استقلالية وصلاحيات واسعة، بحيث لا تخضع إلا لمساءلة مجلس النواب. لكن على الرغم من ذلك فإن العراقيين لم يروا نتائج حقيقية ومقنعة، بل استمرت شكاواهم من استشراء الفساد الذي جعل بلدا غنيا مثل بلدهم يعاني من انتشار الفقر والعوز، ومن نقص في الضروريات مثل الدواء، وتردٍ مريع في الخدمات.
الأدهى من ذلك أن ملف الفساد تداخل حتى مع حرب الإرهاب التي بددت خلالها مليارات الدولارات في بعض مناقصات الأسلحة الضخمة أو في رواتب لجنود وهميين. وتحدث مسؤولون عراقيون في السابق عن نحو 500 - 600 مليون دولار كانت تدفع مرتبات لجنود لا وجود لهم. ونقل عن رئيس أركان الجيش العراقي السابق الجنرال بابكر زيباري قوله إن عدد الجنود الوهميين يقدر بنحو 300 ألف جندي.
وعندما سقطت مدينة الموصل بيد «داعش» عام 2014 قيل إنه بين الأسباب أن عدد الجنود المكلفين بحماية المدينة كان أقل في الواقع من العدد المسجل على دفاتر الخدمة، أي أن أعداد الجنود كانت مضخمة لصرف رواتب وهمية. لكن هذا الأمر لا يلغي أن السبب الأهم في السقوط المذهل للمدينة كان هو قرار انسحاب قوات الجيش والشرطة بشكل مفاجئ ودون قتال يذكر، وتركها معدات ثقيلة وراءها استولى عليها «داعش»، وهو القرار الذي ما زال يدور حوله كثير من الجدل واللغط باعتباره جزءا من الفساد والمكايدات السياسية.
هناك كثيرون يرون أن المماحكات والضغوط السياسية تعرقل أي جهود حقيقية لمحاربة الفساد. لهذا السبب لم تنجح هيئة النزاهة في إدانة وسجن أسماء كبيرة وردت في تحقيقات وقضايا الفساد، لأنها واجهت صعوبات ومعوقات وضغوطا عرقلت عملها وأدت إلى إقالة أو استقالة عدد من الأسماء التي تعاقبت على رئاستها. وكما كشف عدد من أعضائها فإنه حتى عندما نجحت الهيئة في تجميع أدلة وتجهيز ملفات قضايا، فإنها لم تفلح في الحصول على إدانات بسبب التدخلات في عملها والضغوط عليها وعلى الأجهزة القضائية.
في ظل هذه الأجواء فإن إدانة محافظ سابق وإرساله إلى السجن لا تعني الكثير، ولا أحسب أنها ستطمئن العراقيين على أن ملف الفساد سيطوى قريباً، أو أن أموالهم المنهوبة سوف تستعاد. محاربة الفساد تحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى توافق يضعها في سلم الأولويات، ويوفر الغطاء الضروري لعمل سلطات التحقيق والقضاء، ويمنع الضغوط التي تمارس عليهم. فالقوانين وحدها لا تكفي، وهيئة النزاهة أو غيرها لن تستطيع أن تعمل وتنجز إلا إذا منحت غطاء من السياسيين. لكن على الرغم من الشعارات المرفوعة، وبعض الجهود الصادقة من بعض المخلصين والمجتهدين، فإن العراق أبعد ما يكون عن شن حرب فاعلة ضد الفساد الذي ينخر في عظمه، ويمنع تعافيه. بل إن ظروفه الراهنة التي تطغى عليها المماحكات السياسية، والتجاذبات والحسابات الطائفية، تجعل هموم الناس تتراجع في سلم الأولويات بينما تتسع مراتع الفساد.

التعليقات

أمين ظافر آل غريب
البلد: 
HOLLAND
10/08/2017 - 02:10

آفةُ العِراق الفسادُ، تناسَلَت عنها آفاتٌ، فاسدونَ رُفِعَت لَهُم دَرَجات دِفءٍ داخل الوَطَن، وخارجه آفةُ شتاءات الشَّتات المَنفى المَنسى لِصَفوَة أحرار وعقول مُثقفي ثلث نفوس العِراق الجَّريح الأشبَه في غضون وتجاعيد تضاريس خارطته الدِّيمُغرافيَّة- الجُّغرافيَّة، القلب القائح نازف بَنيه ثروَته النَّفيسة البَشَر، استعادَت سفاراتُهُ آثار حضارتِهِ العَريقة المَنهوبَة الحَجَر، وبقيَ بنوهُ يتجرَّعونَ مَرارَة غُربَةٍ مُستطيلَة قبل ربيع الغزو عام 2003م مُتطاولَة بَعدَهُ لِعَقدٍ ونصف العَقد زَمَنٌ قصير بعُمر الزَّمَن طويلٌ بعُمر الإنسان في وَطَنٍ بالتبَنّي مُستعار، جيلٌ مُضَيَّعٌ بعضُهُ مات ولَمْ يحظَ برعايَةِ سَفارات وطنِهِ الأصل، وبَعضُهُم وُلِدَ وراء أعالي البحار لَمْ يَرَ تُراب أجداث الأجداد بعدُ، رُبتما يُحمَل لِيُوارى في تبر تُربٍ اضطَرَّ أبوهُ

أمين ظافر آل غريب
البلد: 
HOLLAND
10/08/2017 - 02:12

اضطَرَّ أبوهُ يُغادرهُ وقلبُهُ يخفق مِنْ جوعٍ يتلَفت مُتسَربلاً بأسلابهِ يتجشأ الرّيح كأبي الأبي الشّاهِد الشَّهيد الغريب المَهين في موطِنِهِ كنبي!.

عادل
10/08/2017 - 04:06

استاذ عثمان, لقد تشكلت لجنة لتقصي الحقائق و العثور على الاسباب الرئيسية لسقوط الموصل, وحددت نحو ثلاثين شخصا لذلك اولهم رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة نوري جواد المالكي و اثيل النجيفي ...الخ. المدعو خلف عبد الصمد رئيس كتلة الدعوة في البرلمان العراقي قال : اننا سوف نقطع يد اي شخص يطالب بتقديم المالكي الى المحاكمة. كذلك رئيس لجنة الامن و الدفاع النيابية المدعو حاكم الزاملي يغازل ايران التي لا تريد ادانة المالكي في هذا الموضوع و لذلك اختلط الحابل بالنابل في بلد الفساد و المفسدين و الفساد العراق البائس .

سالم علي
البلد: 
استراليا
10/08/2017 - 04:44

لقد تحول العراق منذ 2003 الى بؤرة للفساد واصبح يتصدر قائمة دول الفساد في العالم . زج الدين في السياسة وفر حماية دينية للفاسدين من المسؤولين . ازدواجية الجنسية لمعظم المسؤولين العراقيين توفر لهم حماية عند صدور احكام ضدهم كما ان معظم هؤلاء المسؤلين يمتلكون اموالا كبيرة في البلدان التي يحملون جنسياتها . لقد استخدم النظام العراقي موضوع الحرب على الارهاب لابتزاز الدول بحجة ان العراق مستهدف . استمرار الدعم الدولي للعراق بدون ضمانات وتعهد وضغوط دولية على النظام العراقي باجراء اصلاح سياسي والتخلي عن السياسة الطائفية والخضوع لأيران تجعل النظام العراقي غير مكترث من الاستياء في الشارع العراقي . دعم النظام الطائفي في العراق سواء كان على حق او با'طل خطأ ويساهم في انتشار الفساد وربط العراق بايران واعطاء صورة مزيفة للديمقراطية .

جنى الملة
البلد: 
العراق / بغداد
10/08/2017 - 11:26

إدانة احمد الجبوري ( ابو مازن ) محافظ صلاح الدين صفقة سياسية أو مكافأة خدمة قدمتها الحكومة العراقية بتأثير من قادة الحشد الشعبي للنائب مشعان الجبوري وابنه ( يزن ) الذي يطمح بمنصب المحافظ والمكافأة لجهودهم في مؤازرة قادة الحشد الشعبي وقد فضح احمد الجبوري العلاقة الاخرى لمشعان وابنه بداعش وتزويدهم بالاطعمة والعتاد وبسعر السوق السوداء .
صراع الجبور في العراق المهدور !

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
10/08/2017 - 11:45

اساذعثمان الفساد اصبح مرض العصر الذى لاشفاء منه ولايعرف له جذور حتى يتم اقلاعها وخطورة الفساد تكمن انه وسط الطبقة المثقفة فى المجتمع واصحاب المناصب العليا لهذا لايمكن اكتشافه بسهولة وله ازرعة قوية وتلتف حوله طبقة المنتفعين والانتهازيين وانا اتحفظ جدا لما اقرا اخبار الجريمة ويصفوا اللص الذى يكسر صنكا او صيدلية او اى مكان به مال لان ذلك اللص او ما يسمى المجرم لم يسر امان اؤتمن عليها ولم يمنح سيارة فارهة او امتيازات وراتب انما لجأ لكل ذلك لانه فاقد لكل هذه الاشياء لكن المجرم الحقيقى ا الذى يسرق امة كاملة وهو يتمتع بكل الامتيازات ويستغل نفوذه وبلاده فى حالة حرب تنزف دما اعيدوا التسميات من فضلكم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة