إما التعايش وإما «داعش»

إما التعايش وإما «داعش»

الاثنين - 15 ذو القعدة 1438 هـ - 07 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14132]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
ولد تنظيم داعش من انهيار تجارب تعايش. مزق خرائط واخترق أخرى. والخرائط كالمباني تحتاج صيانة دائمة. الإهمال يسرع شيخوختها. تتشقق جدرانها. وتتخلع أبوابها. وتتآكل نوافذها. والسياسات الفئوية تزعزع أسسها. وتغتال طمأنينتها. وتوفر للرياح السوداء فرصة التسلل إليها. لا تكفي الأناشيد لحماية الخرائط. ولا تكفي الجيوش. وتقول التجارب إن الخرائط تغتال من الداخل قبل أن يستبيحها الخارج. ثقوب الداخل هي التي تستدرج العواصف المقتربة.
تحتفل دول المنطقة اليوم بالضربات المتتالية التي توجه إلى تنظيم داعش. ومن حقّها أن تحتفل. «داعش» عاصفة من الوحل والدم. فصل ثقيل من الظلم والظلام. روايات من عانوا السبي أو اليتم تحت راياته تكسر القلب وتثير الرعب. لكن الأهم من الاحتفال هو استخلاص العبر. لم يسقط هذا التنظيم الرهيب على مجتمعاتنا بالمظلات. أطل من شقوق الداخل ثم رفده المقاتلون الجوالون بخبراتهم وأحقادهم. لا يستطيع «داعش» استباحة خريطة ما لم تكن مريضة. لا يستطيع الإقامة فيها ما لم تكن إرادتها الوطنية ممزقة.
تبدو الحرب العسكرية على «داعش» صعبة. انتحاريون وأنفاق وعبوات ناسفة وشبان غسلت أدمغتهم فتحولوا مجرد عبوات تائهة تبحث عن فرصة للانفجار. لكن هذه الحرب، على رغم ضرورتها وأهميتها، يفترض أن تكون جزءاً من الحرب الشاملة. الانتصار الحاسم هو الانتصار على فكرة «داعش»، أي إلغاء الظروف التي سهلت ولادة التنظيم وانتشاره وتسلله إلى هذه الدولة أو تلك.
من دون المواجهة الشاملة في الشارع والنادي والكتب المدرسية والإعلام وفي جوار المسجد، تبقى المواجهة ناقصة والنتائج مهددة. يستطيع عناصر «داعش» الفرار والتواري والعيش كـ«ذئاب منفردة» تكمن بانتظار الانفجار هنا أو هناك.
أهم ما في المواجهة الشاملة هو اتخاذ قرار جوهري وصعب وربما مؤلم بالتعايش. لا نقصد العودة إلى التعايش التلفزيوني السطحي والشكلي الذي كان سائداً وانهار أمام أول امتحان. المقصود هو الذهاب في اتجاه التعايش الحقيقي داخل الدول وفيما بينها. ولا بد من الاعتراف أنه ما كان للبغدادي أن يطل من الموصل ويفتح الباب لهذه المأساة الباهظة لو كانت العلاقات بين المكونات العراقية صحيّة وطبيعية. وما كان لـ«داعش» أن يخترق الأراضي السورية ويستولي على الانتفاضة الشعبية ويدميها ويجهضها لو كانت العلاقات بين المكونات السورية طبيعية في ظل دولة طبيعية.
لا بدّ من اتخاذ قرار التعايش مع العالم. مع القوى المختلفة والمتنوعة المشارب والانتماءات والألوان ومن دون أن نعتبر أننا مكلفون فرض لوننا على العالم وأن علينا الانفجار به، إذا تعذر علينا أن نفرض عليه ثياب أجدادنا وأساليب عيشهم. الاعتقاد أن علينا إخضاع العالم ليشبهنا هو أقرب الطرق لنتحول عبوة في جسده وعبوة في جسدنا معاً. العجز عن التسليم بحق الآخر في الاختلاف يدخلنا في اشتباك مدمر يفوق طاقتنا على احتمال نتائجه.
اعتبار كل من لا يماثلنا عدواً أو ضالاً ينذر بترسيخ خطوط التماس التي تعوق تعاوناً نحتاج إليه للحصول على ثمار التقدم الذي تحقق في بلدان خاضت تجاربها المكلفة، وخرجت منها بالاعتقاد بأن الاختلاف حق ويمكن تحويله إلى مصدر ثراء. الاعتقاد أن من واجبنا إنقاذ البشرية استناداً إلى تصور واحد لا يمكن الاجتهاد فيه أو العثور على أشكال أخرى له يضعنا أمام الحائط ويدفعنا في اتجاه الكارثة.
قبل اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف خارج الخريطة لا بد من اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف داخلها. اعتبار كل اختلاف تهديداً وجريمة يشكل الخطوة الأولى نحو الحروب الأهلية والمجازر ومحاولات الشطب وإلغاء الهويات. لا بد من التسليم بحق الآخر في المبنى أو القرية أو المدينة بأن يكون مختلفاً وبحقه في أن يكون مساوياً ومطمئناً في دولة تقوم على المواطنة لا على الغلبة وبغض النظر عن النسب السكانية وتغيراتها.
لا خروج من هذا الجحيم الذي أنجب مئات آلاف القتلى وملايين اللاجئين إلا باتخاذ قرار التعايش. من دون هذا القرار يبقى كل انتصار مهدداً بالتحول مجرد جولة في حرب تكمن ثم تعاود الاشتعال. من دون قرار التعايش الحقيقي ستتيح المجتمعات الممزقة الفرصة لإطلالة جديدة لـ«داعش» أو أشباهه أو أخواته. الانتصار النهائي على «داعش» وأشباهه متعذر من دون مهمة بناء الدولة الحقيقية والعصرية. دولة الحقوق والواجبات. دولة المواطنة واحترام حق الاختلاف. دولة الفرص والتنمية الشاملة والمناهج الدراسية الرحبة والإعلام المنفتح والمسؤول.
لا خروج من هذا الجحيم إذا استمرت سياسات التدخل والانقلابات الفئوية ومعها سياسات الكراهية والإقصاء والسعي إلى تصفية حسابات تاريخية. جرّبنا طويلاً هذه السياسات الثأرية العقيمة التي أخرجتنا من السباق نحو المستقبل وسمّمت خرائطنا وعواصمنا وجامعاتنا. لا نستطيع مواصلة السباحة في هذه المياه المفخخة. الإصرار لا يعني أكثر من أننا نتولى بأنفسنا تحويل أولادنا وأحفادنا وقوداً للحروب المقبلة وتحويل بلداننا بركاً من الدم تنوء تحت أعباء الفقر والبطالة والتخلف.
مشكلتنا لم تبدأ مع «داعش» لتنتهي بانتصار عسكري عليه. مشكلتنا الحقيقية هي رسوبنا في امتحان اللحاق بالعصر وركب التقدم. مشكلتنا أننا لا نريد دفع ثمن بطاقة الصعود إلى القطار المتجه نحو المستقبل.

التعليقات

kamal ayad
البلد: 
liban
07/08/2017 - 05:34

كلام رائع .الله يكثر من امثالك

عبدالعزيز
البلد: 
s.a.
07/08/2017 - 05:38

هذه المقالة يجب أن تُدرَّس في جميع مناهج التعليم في المنطقة ، وتتكرر في المناهج من الإبتدائي إلى الجامعة.
تحياتي للكاتب.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
07/08/2017 - 07:04

حرية الإختيار هي القاعدة الأساسية لأي إختبار، كان يمكن لله سبحانه وتعالى أن يلقي بإبليس في النار عندما رفض السجود لآدم وينتهي الأمر ولكن إنظاره إلى يوم الحساب وإنزاله مع آدم وزوجه إلى الأرض كان لغرض الإختبار القائم على حرية الإختيار، أقسم إبليس بالله أمام الله بأنه سوف يتولى غواية ذرية آدم بإستثناء من إستخلصهم الله لنفسه وتعهد الله تعالى بان يملأ جهنم ممن يتبعه إبليس منهم وهم لم ياتوا بعد، بما يعني أن هناك إختبار وإختيار، مهمتك أن تدعو للطريق المستقيم الذي يهدي إلى النجاح والنجاه على الهدى الذي أرسل الله رسله به، "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن" هذا ما قال الله تعالى، فهل نتركة لنتبع ما يقول البغدادي وإبن لادن والظواهري؟، هل من حقنا أن نقيم يوم الحساب قبل أوآنه ونصدر الأحكام على العباد نيابةً عن الله تعالى؟

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
07/08/2017 - 07:14

قال تعالى في القرآن الكريم تحديداً في الاية قبل الأخيرة من سورة المؤمنون "ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون" فالله سبحانه وتعالى خص نفسه بمهمة محاسبة خلقه ولم يكلف أحداً بالقيام بها نيابة عنه، مهمتك تقتصر على الدعوة فقط وبيان المحاسن والمساوئ لتقنع الناس بما تدعوهم إليه فإن لم يقتنعوا فهذا شانهم، أما الحساب فليس من مهام أي كائن بشري مهما علا أو إستعلى.

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
07/08/2017 - 07:51

الخيار أمامنا هو التعايش وهو الخيار الوحيد الذي يجنبنا الكثير من المآسي ، لا يمكن إلغاء الآخر ، فهل يفهم الجميع ذلك ، ليركب الجميع القطار نحو المستقبل وبناء الإنسان والتنمية والعدالة الإجتماعية ، هذا آملنا ونعمل من أجله ونأمل من الجميع أن يعمل بذلك لتسود هذه المنطقة لغة التسامح والتعايش والمحبة والإحترام ولتنتهي وتنطوي هذه الصفحة السوداء التي طالت وتطول ، شكراً أستاذ غسان على مقالتك الرائعة والقيمة ودمت بخير وصحة وعافية .

عصام السامرائي
البلد: 
العراق
07/08/2017 - 07:54

السلام عليكم استاذ غسان المحترم كما عودتنا باسلوبك الرشيق والجميل بالكتابة لخصت المشكلة والسبب في معاناتنا ونتمنى من اصحاب القرار ان يتعضوا . شكرا سيدي الفاضل وتحياتي لك

عبدالله خلف
البلد: 
العراق
07/08/2017 - 09:10

هناك مشكلة ابعد من مفهوم الدولة الحديثة استاذ غسان
اتحدث هنا عن بلدي العراق وهو اعادة ما تم هدمه من مجتمعات من الصعب اعادة ذالك الحلم كيف نبني مجتمع حديث ونطمح لدولة حديثة بوجود مراجعيات الدين التي تتخذ من تسيس الدين و المجتمع ضمانة لنفوذها كيف نتمكن من دحر وجودهم في السياسية هذا امر مستحيل وفقاً للطائفة الغالبة في البلاد بسبب تركيبة المذهب التي لا يستقيم حياة افرادها دون تقليد وتاثير من رجل الدين معضلة هائلة في العراق سنة العراق مثلاً لم يتبنوا على الاطلاق الاسلام السياسي لدرجة ان كبار الاخوان قالوا لا امل من العراقيين سنة العراق قوميين بالفطرة كيف يدخل داعش وكيف تلصق بهم هذه الفرية الاهم هناك ان احزاب الاسلام السياسي الفرع الخميني تقوم بالقاء المواعض الوطنية عليهم على الرغم من كونهم قوميين والاحزاب المتايزنة هي اصلا مؤدلجة طائفيا

عبد الرحمن مظهر الهلوش
البلد: 
سوريا
07/08/2017 - 10:39

الأستاذ غسان ماتقوله تشخيص للحالة تماماً أنا اضطررت أنا وعائلتي الصغيرة أن نبقى تحت سيطرة التنظيم لمدة 12 شهراً من الرعب والجحيم, نعم عدم التوافق بين المكونات وأحلام بعضها ساعد على انتشار فكرة ((الدعشنة)).

محمد هواري
البلد: 
السودان
07/08/2017 - 11:51

مقال رائع وشيّق في الوقت ذاته...من اهم ما جاء فيه كيفية محو الآثار التي ترتبت جراء ظهور هذا التنظيم؛ من خلال النوادي الثقافيّة، وصياغة كتب فكرية مقنعة في نفس الوقت للقارئ المقصود.
يجب اعادة صياغة(بروسترويكا) للمفهوم السائد وسط الشباب المحمّلين بأهازيج الثورات والجهاد وماشابه...حيث يحتاجون لمفهوم جديد... يجب ايضا عدم غفل مفهوم التجديد الديني الذي نحن بحاجة ماسة إليه حتى نخرج من تلك العتمة..لان من حقنا ان نعيش كما هم رصفائنا في البلاد المتقدمة...ودائما ما أُكثر من السؤال؛لماذا نحن فقط من خريطة العالم في الشرق الأوسط، لماذا نحن هذا هو حالنا...البؤس والشتات.

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
07/08/2017 - 13:07

و لماذا تكون المواجهة الشاملة في "جوار" المسجد، يا سيدي، و ليس في "داخله"؟ لقد انتهينا إلى زمن أضحى لزوماً فيه أن يتعدّى دور المساجد العبادة الخالصة و الخُطب التقليدية الموروثة عبر العصور إلى التوعية الدينية الراشدة . يعلم الله كم من "الذئاب المنفردة" تقبع في مساجدنا، دون ارتداء أحزمة ناسفة !

أرثي لحال كل من دفع ثمن بطاقة الصعود إلى القطار ثم وجد من يمنعه من الصعود إليه، أو منع القطار من التوقف، بقوة السلاح .

شوقي الريس
البلد: 
ايطاليا
07/08/2017 - 17:43

زبدة الرأي ودرّ القول .

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
07/08/2017 - 22:32

استاذ غسان السؤال الذي لازال يحيرنا ليس اين المشكلة بل كيف الحل ؟ لم تكن تجربة داعش السيئة التي عصفت بنا وشغلت العالم من حولنا هي الاولى ، لقد سبقت لنا تجارب من نفس المعين تجربة القاعدة لازالت اثارها المريرة عالقة في الاذهان ، وبالطبع لن تنتهي مشاكلنا بالقضاء على داعش فداعش في الواقع كان فكرة في الرؤوس قبل ان يتحول الى تنظيم على الارض ، ومما لاشك فية إن كل هذا التجارب المستنسخة بعضها من بعض كلها عرض من عدة اعراض لمرض واحد خطير فتاك لا بالاجساد بل بمصير الامم والشعوب إنة فكر متخلف ناتج عن تعليم سيء لا يواكب معطيات العصر الذي نعيش فية ولا قيمة او مفاهيمة السائدة فية والمشكلة الحقيقة تبدو في اننا الفناة وتعايشنا معة لذلك تمر بنا الازمات وتعصف بنا المصائب والاحداث دون ان تكون لنا مراجعة مع الذات ، أونسأل انفسنا عن اسباب تلك الكوارث

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
07/08/2017 - 22:33

ولماذا هذة المصائب ؟ ولماذا تتكاثر عندنا جرثومة التعصب والعداء للأخر ؟ واشياء اخرى لاتقل فظاعة عنها ، لا تسأل عن المشكلة فالقضية الحقيقة كيف الحل ، لقد كان بالامكان تدارك الوضع من زمن طويل فقد مر بنا من الازمات مايكفي وينبة الامم الغافلة كي تستيقظ ، كان بالامكان ان نقف موقف جاد حقيقي مخلص وأن نضع ايدينا على الجرح النازف لمقدرتنا وطاقتنا وثروتنا وندخل في تحدي مع الامم التي سبقتنا واخذت من ماضيها ما يعينها للانطلاق نحو المستقبل كان يجب ان نضع ايدينا في يد ايد بعض وندرك ان مصالحنا لاتتجزاء وان عدونا الحقيقي هو الجهل بمفهومة الشامل وان القضاء علية هو الثمن ـ مهما كان غالياّ ـ الحقيقي الذي يجب ان ندفعة كي نستطيع ركوب قطار المستقبل قطار الازدهار والتطور

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة