الزائر الهندي والعربي الحسود

الزائر الهندي والعربي الحسود

الاثنين - 16 شوال 1438 هـ - 10 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14104]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
يتحول العربي حسوداً حين يحتك بالعالم المتقدم. فرَّ صديقي من بلاده الغارقة في الظلم والظلام واستقر في لندن. اشترى منزلاً وراح ينتظر نهاية الحرب. ذات يوم أزعجته شجرة في حديقته الصغيرة. اتخذ قراراً بإعدامها. سأل جاره البريطاني إن كان يعرف عاملاً يستطيع أداء المهمة. ضحك الجار. ليس من حقك قتل الشجرة حتى ولو كانت في ملكك. عليك أولاً التقدم بطلب للمجلس المحلي وأن تقنعه بالأسباب. القانون هنا يحمي الأشجار. لا بدَّ من الحصول على موافقة وبعدها يأتي دور القاتل.
أصيب صديقي بحال من الذهول. جاء من عالم يمكن فيه اقتلاع مدينة من دون أن يرفَّ لأحد جفن. يمكن اقتلاع مواطن ولا يحق لزوجته أو أمه أن تسأل عن السبب. القانون يحمي الشجرة. تذكر قصة ابن خاله. استدعوه ذات يوم إلى التحقيق بتهمة غامضة. عاد بعد أيام حطاماً وقد نسي لدى المحقق بعض أسنانه وأظافره. للشجرة هنا حقوق تفوق ما للمواطن في بلدان العذاب والتعذيب.
الحسد ليس شعوراً مفيداً أو نبيلاً. ومن عاداته أن يفتح أبواب الكراهية والمرارات. لكن إصابة العربي بهذا المرض ليست غريبة. ويمكن أن يصبح الحسد هاجساً دائم الحضور. إذا زار العربي متحفاً في دولة متقدمة يسارع إلى التفكير بما حل بآثار العراق وسوريا وغيرهما. إذا عاين كيف تحافظ فيينا على أشجارها تذكر كيف تغتال الجرافات جبال لبنان. إذا تابع اهتمام أوسلو بصحة مواطنيها تذكر أين تصبّ مياه الصرف الصحي في هذه العاصمة العربية أو تلك.
يحاول العربي أحياناً خفض معدلات خيبته. يبحث عن أعذار لهذه الهوة الرهيبة التي تفصلنا عن العالم المتقدم. إننا في مرحلة تاريخية مختلفة تماماً. فهذه الدول تقطف في النهاية ثمار أحداث كبرى شهدتها القارة القديمة وغيرت وجه العالم. الثورة الفرنسية. والثورة الصناعية. وأفكار عصر النهضة. وفصل الكنيسة عن الدولة. وأفكار الفلسفة الألمانية. والتبدل الهائل في أوضاع المرأة.
يشعر العربي بالحسد مجدداً. جرّب الأوروبيون حروب القوميات. والمذاهب. ونزاعات الحدود. ومشاريع السيطرة والشطب. أدموا القارة وأدموا العالم معها. لكنهم خرجوا في النهاية باستنتاجات. ارتكبت ألمانيا موتوراً اسمه أدولف هتلر، لكنها تعيش الآن في ظل ميركل والمؤسسات. صارت الإمبراطوريات رفوفاً في المتاحف وسطوراً في كتب التاريخ. صارت الحدود جسوراً لا جدراناً. سلمت المجتمعات بحق الاختلاف. لم تعد الأقليات ألغاماً يجب انتزاعها. والدستور يمنع الأكثرية من محو ملامح من يختلفون عنها. لم تعد هذه الدول تفتش عن قادة تاريخيين يتصبّب الدم من سيرتهم. إنها تبحث عن حكومات تهتم بمكافحة البطالة وتطوير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار والعناية بالبيئة ومشكلة المناخ. يتصبّب العربي الزائر حسداً.
لنترك جانباً حديث الأشجار والآثار. ثمة ما هو أدهى. لاحظ العربي أن بنيامين نتنياهو ألغى كل مواعيده ليتفرغ للاحتفاء بضيفه رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي. إنها المرة الأولى التي يزور فيها رئيس وزراء هندي إسرائيل. واللافت أيضاً أن الزائر لم يجد ضرورة لزيارة رام الله، الأمر الذي أسعد مضيفيه. إننا نتحدث عن الهند التي كانت سباقة في تفهم تطلعات الفلسطينيين ولم تتردد في الوقوف إلى جانبهم في المحافل الدولية.
رصد العربي مجريات الزيارة خصوصاً بعدما تخطى دفء الاستقبال الإسرائيلي لمودي ذلك الذي أبدته إسرائيل لدى استقبالها الرئيس دونالد ترمب. توقف عند قول مودي: «إن من شأن التعاون الحقيقي بين إسرائيل والهند أن يغير وجه العالم». وكذلك عند قول نتنياهو إن إسرائيل استقبلت مودي «كما يليق بزيارة استثنائية تاريخية لرئيس أكبر ديمقراطية في العالم للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
كان لافتاً أن يعتبر مودي إسرائيل منارة تكنولوجية وأن يتحدث عن حاجة بلاده العملاقة إلى الإفادة من قدرات إسرائيل في هذا المجال. وكانت النتيجة توقيع مودي ونتنياهو اتفاقية تحصل الهند بموجبها على منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية المضادة للصواريخ والطائرات بقيمة ملياري دولار. كما تم التوقيع على مذكرات تفاهم تتعلق بإنشاء صندوق هندي - إسرائيلي للابتكار في مجالات البحث والتطوير والتكنولوجيا. وشملت اتفاقات أخرى المياه وتطوير الزراعة في الهند، إضافة إلى الشراكة في مشروعات اقتصادية في دول أفريقيا والعالم الثالث.
لا يكفي لتفسير ما حدث القول إن مودي ينتمي أصلاً إلى تيار هندوسي قومي متشدد زاده إرهاب «الجهاديين» قناعة بتوطيد العلاقة مع إسرائيل. الأخطر هو أن يكون لدولة بحجم إسرائيل ما تقدمه للجيش الهندي والذي يتعدى دورها السابق في تطوير السلاح السوفياتي والروسي الذي تملكه الهند. وأن يكون لديها أيضاً ما تقدمه في تطوير الزراعة ومعالجة مشكلات المياه، وأن تقيم علاقة استراتيجية عسكرية وأمنية واقتصادية مع دولة بحجم الهند وفي موقعها.
انزعج العربي من الصلف الذي ميّز خطابات نتنياهو خلال زيارة مودي. لكنه حين فتح خريطة الشرق الأوسط الرهيب اكتشف أن إسرائيل حققت في الأعوام الأخيرة سلسلة انتصارات ومن دون إطلاق رصاصة. لقد تآكلت قربها خرائط ودول وجيوش واقتصادات. ألحقت أمواج التطرف ببعض العالم العربي نكبات جعلت النكبة الفلسطينية مجرد بند من مجموعة بنود.
هذه المرة لم يشعر العربي بالحسد وحده. إنه الشعور بالهزيمة الشاملة لمن يعجز عن الالتحاق بالعصر.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
10/07/2017 - 05:49

نحن لانحسد اسرائيل لكن نحن كامة عربية فى موقف لاتحسدنا فيه اسرائيل ها نحن نقاتل بعضنا البعض ونمثل باشلاء بعضنا البعض وندمر ما بنيناه منذ عشرات السنين وبقروض لم يتيسر سدداها بعد فاسرائل الان فى ابهى ايامها يضع زعماءها (الفصفص) امام طاولاتهم يتفرجون علينا عبر القنوات الفضائية وكنا سابقا نردد عبر اعلامنا الكاذب فى ذلك الوقت سوف نرمى اسرائيل فى البحر الان مقاتلى (داعش) يرمون انفسهم فى نهر دجلة وكنا نرددبكرة حنوصل (تل ابيب ) الان وصلنا الموصل وسنقيم الاحتفالات واقواس النصر ابنهاجا وقدسنا لازالت محتلة ومرتفعاتنا فى سوريا صعدت عليها اسرائل وتنظر فى تغيير جقرافيتها اخى غسان من الذى يحسدنا ومن نحسد ؟

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
10/07/2017 - 07:03

مقالة في غاية الواقعية تعبر عن ألم الكاتب فيما آلت إليه أوضاع الأمة العربية ، ولقد صدق الشاعر عندما تساءل وقال : أمتي هل لك بين الأمم منبرٌ للسيف أو للقلم ؟ ليس شعور بالهزيمة الشاملة بل وصلنا إلى أدنى درجات الإنحطاط . أشكرك على هذا الفكر النير النظيف .

عصام هاشم
البلد: 
العراق
10/07/2017 - 07:37

السلام عليكم سيدي الفاضل مقال اكثر من رائع كما عودتنا باسلوبك الرشيق والجميل وقد اصبت كبد الحقيقة . ولكن ياسيدي كيف نبدع في بلاد يغتال كل شيء فيها وقال الشاعر في العصر العباسي المتأخر واصفا" حالة المجتمع حين ذاك
(يارمانا"البس الاحرار ذلا" ومهانه .... لست عندي بزمانا" انما انت زمانه
كيف نرجوا منك خيرا" والعلا فيك زمانه ... تحياتي لك

ابو محمد
البلد: 
العراق
10/07/2017 - 07:39

فعلا واقع مؤلم لما وصلنا اليه بسبب لمن بيدهم السلطة والمال ..... شكرا استاذ غسان سطرت الحقيقه في مقالك هذا ....

ابو محمد
البلد: 
العراق
10/07/2017 - 07:43

فعلا واقع مؤلم لما وصلنا اليه بسبب من في يدهم السلطة والمال ...... شكرا استاذ غسان على مقالك القيم

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
10/07/2017 - 08:12

الكثير هاجر سوريا ولبنان مثل صديقك ، الطيور دائما تبحث عن الحياة والحرية ، كذلك صديقك الذي فر من الحرب هو كذلك كالطيور المهاجرة التي تبحث عن الأمان والطبيعة وخلافها من وسائل الحياة الكريمة التي فقدت في بلداننا للأسف نتيجة ما يقوم به حزب الله الإيراني الإرهابي في لبنان وسوريا من تقويض لسلطة الدولة والقانون ويهدد الإستقرار وكذلك ظهور داعش وتكملة ما يقوم به هذا الحزب الطائفي الإرهابي المجرم ، حزب الله أصبح اليوم العدو الحقيقي للشعبيين السوري واللبناني وهو المجرم الأول بحقهم حاضراً وفي الماضي كما قال أحد السياسيين ، إن هذا السرطان المدمر التي زرعته إيران في لبنان وما فعله من إجرام ونقل إجرامه لسوريا وكذلك فعله الشنيع قبل أيام في إقتلاع خيم اللاجئيين السوريون في عرسال وقتل وحرق تضاف إلى جرائمه ، لن ننعم في السلم في كلا البلدين مالم يتم إقتلاعه.

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
10/07/2017 - 08:46

العالم يتغير بدءا من الوطن العربي الذي يعاني من حروب وثورات وتقسيم مما يعود بالخير على الدول الكبرى وخاصة الاستعمارية منها بحيث تزداد نهبا وسرقة للدول العربية التائهة والتي تقوم بما يسمى - إن جاز التعبير- بثورة على ثورة ، ولا شيء في الأفق يبشر بأخبار سعيدة لأنها تزدا قتلا و فقرا ومعاناة وتهجيرا لشعبها وقد نضب فيها كل شيء ، وصارت قلوبها بلا نبض ، ولا منهج ذا أبعاد تبعث بهجة ولا حبورا في حين ان دول العالم كلها باستثناء دولنا تبحث عن تحقيق مصالحها دون الالتفات لضرر يصيب دولة هنا اوهناك ، فالبرغماتية عنوانها ، وقد قيل قديما بانّ الغاية تبرر الوسيلة ، وها نحن نرى الغايات الكبرى لدول المصالح التي لا تعبأ بأي وسيلة تتبعها ، فهي تريد الرفاهية لشعبها ، وكفى . وإنّ هذا التعليق على المقال بمثابة كلمة اراها صحيحة ويراها الكثيرون خاطئة !

يحيي صابر .. كاتب ومؤرخ نوبي
البلد: 
مصر
10/07/2017 - 09:19

لقد تآكلت قربها خرائط ودول وجيوش ..حقيقة اسرائيل مستفيدة بالفعل بكل يحدث في منطقتنا العربية .. اسرائيل تكسب بدون ان تطلق رصاصة واحدة .. منذ ما سمي بالربيع العربي واسرائيل تعيش هانئة سعيدة امنة مطمئنة وتنتشر المستوطنات وتتسرطن علي الاراضي العربية .. واخوتنا في فلسطين انقسموا علي انفسهم يريدون السلطة فقط ... يريدون تصدر المشهد فقط بصرف النظر عن القضية التي اظهرت وافرزت زعماء ملأوا الدنيا صخبا وضجيجا .. زعماء كانوا يرون ان تحرير فلسطين يبدأ اولا باحتلال بلدان عربية .. زعماء كافحوا كفاحا مريرا من وراء الميكرفونات ..زعماء يقدمون المليارات دعما للارهاب ودعما لتخريب بلدان عربية وقتل ابرياء .. التاريخ يتناسي ولكنه لا ينسي علي الاطلاق .

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
10/07/2017 - 14:05

تطور العلاقة بين الهند والكيان الصهيوني وتفقد المنطقة العربية علاقة متميزة بواحدة من اهم دول العالم بحجم الهند سياسياً واقتصاديا وعلميا وتاريخيا بالطبع على حساب وقضايا المنطقة سواء القضية الفلسطينية او المستجد منها حقيقة تعتبر نكسة من جملة نكسات تدور في المنطقة وللاسف يبدو القادم اسواء

suliman aldrisy
البلد: 
libya
10/07/2017 - 21:52

نعم يا استاذ غسان نحن نعاني غصة في الحلقم من حالنا الذي صرنا اليه من حروب ودمار وخراب وتهجير ولا جيئين في بقاع العالم ونحن امة العزة والشرف والكرم والشاهمة صدق فينا قول الشاعر
العلم يبني بيوت لا عمد لها والجهل يهدم بيوت العز والشرف
اسلامنا دولنا وانفسنا الي حكام جهلاء اوصلونا الي الهواية رغم تاريخنا المجيد

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
10/07/2017 - 22:14

هي ثقافة شعوب قائمة على مفاهيم مغلوطة، في ثقافتنا العربية أن الأكثر ذكاءاً هو من يتمكن من خداع الآخرين، يجب ألا نستنكر ذلك فتلك هي ثقافتنا التي نعايشها مع بعضنا البعض، إذا أراد أحدنا أن يقتسم رغيفاً مع أخيه يحرص أن يكون نصيبه زائداً عن نصيب أخيه ولا يرى أدنى غضاضة في ذلك بل ويتملكه الفخر بما يعتبره إنتصاراً، أمة تعتبر الغش والخداع والكذب في كل شؤون الحياة منقبة تفاخر بها بل وتمجد من يتصف بها كيف تريد أن ترى لها مكاناً بين الأمم.

Khaled
البلد: 
Jordan
11/07/2017 - 05:33

الرئيس الفلسطيني كان قبل أسابيع فب زيارة رسمية للهند و استقبل بحفاوة....
يعني كل شخص يأتي لدولة الاحتلال لازم يزور رام الله!!!

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر