حديد القمة

حديد القمة

الاثنين - 16 شوال 1438 هـ - 10 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14104]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
انتهت يوم السبت أعمال قمة العشرين المقامة في مدينة هامبورغ بألمانيا، وعلى الرغم من الاحتجاجات المصاحبة لهذه القمة وما صاحبها من أعمال شغب، وعلى الرغم أيضا من التوتر المصاحب لضغوط الرئاسة الأميركية، فقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح أعمال القمة، معبرة عن رضاها بلقاء الرئيسين الأميركي والروسي واصفة إياه باللقاء البناء. تمت مناقشة مواضيع عدة في هذه القمة، تعلقت بالتجارة العالمية والتغير البيئي والهجرة ومشاكل زيادة إنتاج الحديد. الأخيرة تحديدا شكلت هاجسا وتحديا للرئيس الأميركي، فقد اتهم الصين في مواقف مسبقة ببيع الحديد والصلب بأسعار منخفضة. وواصل ضغطه على دول القمة باتخاذ إجراء دولي تجاه الصين وما تقوم به – بحسب وصفه – من إغراق للسوق العالمية بالحديد «الرخيص». ولم يكن الرئيس الأميركي الوحيد في توجيه هذا الاتهام، فقد سبق لدول أوروبية أخرى توجيه ذات التهمة للصين.
تتعدد تعريفات منظمة التجارة العالمية لمصطلح «الإغراق»، ففي السابق، كانت الحكومات تتهم بإغراق السوق، حين يكون سعر بيع البضاعة المصدرة، أرخص من سعرها في السوق المحلية، إلا أن الولايات المتحدة لم تلتزم بهذا التعريف في سبعينات القرن الماضي حين عانت من كثرة الصناعات اليابانية وانخفاض سعرها، بل أعادت تعريف منظمة التجارة العالمية وجعلت الإغراق في كون سعر المنتج أقل من سعر تكلفته. وهنا يطرح السؤال، لماذا تنخفض قيمة الحديد الصيني مقارنة بالدول المنتجة الأخرى؟ تم توجيه الكثير من الاتهامات للصين بهذا الصدد، كان آخرها انخفاض المعايير البيئية في الصين وسبقتها اتهامات أخرى شملت حقوق الإنسان وأجر اليد العاملة. كما أن الولايات المتحدة وجهت اتهامات للحكومة الصينية بالدعم المادي لصناعات الحديد سواء بالقروض أو بعدم إلزام شركات الحديد دفع أرباح للمساهمين. بل تمت مطالبة الحكومة الصينية بالتخلي عن ملكية بعض مصانع وشركات الحديد، وهي مطالبة لم تلق الكثير من التجاوب من الحكومة الصينية.
الواقع أن الإنتاج الصيني للحديد والصلب هو الإنتاج الأكبر عالميا، وشكل الإنتاج الصيني للحديد نصف الإنتاج العالمي في عام 2015، وتؤثر الكثافة في الإنتاج على مصانع الحديد في الدول الأخرى، وبالأخص الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وقد عانت الولايات المتحدة الأمرّين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي مع منتجات الإلكترونيات اليابانية، وحاولت كثيرا فرض الضرائب على الإلكترونيات اليابانية لحماية المصانع الأميركية، ومن ثم بررت ارتفاع أسعار الإلكترونيات الأميركية بجودتها العالية، إلا أن هذه الحجة سرعان ما انهارت وخسرت الولايات المتحدة هذه المعركة بشكل واضح، وتم إعلان إفلاس الكثير من شركات الإلكترونيات الأميركية بسبب عدم قدرتها على مجاراة أسعار المنتجات اليابانية. ومع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية بداية الألفية، عادت الحكومة الأميركية لنفس معاناتها السابقة، وهي ترى أن في عدم اتخاذها أي موقف حيال غزارة الإنتاج الصيني للحديد وانخفاض سعره، إفلاسا حتميا لمصانع الحديد الأميركية، تماما كما حصل مع مصانع الإلكترونيات.
وفي حين فرضت الحكومة الأميركية، وبعض الحكومات الأوروبية الضرائب على الحديد الصيني، تحتاج هذه الدول إلى إقرار منظمة التجارة العالمية أن الصين فعلا تمارس سياسة الإغراق للسوق العالمية لزيادة هذه الضرائب. ويبدو أن الرئيس الأميركي لا يتمتع بالكثير من الصبر، فقد سبق له أن لوح باستخدام ورقة الأمن القومي الأميركي، والتي ندر ما يستخدمها الأميركيون للأغراض الاقتصادية، وتتيح له هذه الورقة زيادة الضرائب على الحد المسموح به من منظمة التجارة العالمية. وفي حين يرى البعض أن ما تمارسه الصين هو تعريف للتجارة الحرة التي يسوّق لها الأميركيون والأوروبيون، يرى البعض الآخر أن المصانع الصينية تستفيد فعلا من دعم الحكومة، وأن على الحكومة الصينية استرداد الدعم الحكومي للحديد قبل تصديره وذلك لكي يتناسب مع الأسعار العالمية. لكن يجب قبل ذلك إثبات وجود الدعم الحكومي، وهو ما يصعب حدوثه في دولة شيوعية مثل الصين.
بعد أيام من الاجتماعات المتتابعة وتحت ضغوط أميركية، أعلنت قمة العشرين عن وضع خطة للتحكم في مستوى إنتاج الحديد والصلب، وأن هذه الخطة سوف تعلن بحلول شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري، والواضح أن هذه الخطة تهدف حتما لخدمة المصالح الأميركية. وكما أن الولايات المتحدة ستستفيد حال زيادة أسعار الحديد الصيني، سيتضرر الكثير من الدول بالمقابل من هذا الارتفاع. فالدول التي تستخدم الحديد كمادة أساسية لصناعاتها وصادراتها ستتأثر بشكل كبير بارتفاع أسعار الحديد الخام. كما أن الضرر سيلحق بالدول النامية ومشاريع البناء بها بشكل مؤثر. إلا أن عدم ارتفاع سعر الحديد واستمرار سعره بهذا المستوى قد يجعل الصين المتحكم الوحيد بالحديد والصلب حول العالم، وهو من دون شك ليس من مصلحة الاقتصاد العالمي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة