الجمعة - 28 شهر رمضان 1438 هـ - 23 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14087
نسخة اليوم
نسخة اليوم 23-06-2017
loading..

للأمم المتحدة وجهان... وهذا وجهها المضيء

للأمم المتحدة وجهان... وهذا وجهها المضيء

الخميس - 21 شعبان 1438 هـ - 18 مايو 2017 مـ رقم العدد [14051]
نسخة للطباعة Send by email
في اليوم الثاني من أيام هذا الشهر، قرأنا خبرين لهما معنى واحد، رغم أن أحدهما صدر في باريس، والثاني خرج من مدينة جنيف!
الخبر الأول كان يقول إن المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، الشهيرة بالـ«يونيسكو»، قد قررت بأغلبية الأصوات من مقرها في العاصمة الفرنسية، اعتبار القدس مدينة محتلة، وأن إسرائيل لا سيادة لها عليها!
الذين صوتوا مع القرار كانوا 22، في مقابل 10 من مندوبي الدول فيها اعترضوا عليه... أما الذين امتنعوا عن التصويت فكانوا 22، دون أن يفصحوا عن أسباب الامتناع، وإنْ كانت الأسباب معروفة، وليست في حاجة منهم إلى إفصاح، ولا منا إلى بذل جهد للبحث عنها!
وليس أغرب من اعتراض تل أبيب على القرار، إلا صيغة الكلام الصادر عنها في مقام الاعتراض، ذلك أن اعتراضها متوقع، ووارد جداً، ولكن أن يقول رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إن القدس مدينة مقدسة، وإن بلده «يكفر» باليونيسكو، وبهرطقاتها، فهذا لا بد أنه الغريب!
والحقيقة أنه غريب في شق منه، ولا غرابة في شقه الآخر... غريب فعلاً أن يكون تعليق رئيس الوزراء الإسرائيلي على القرار، أن القدس مدينة مقدسة! وكأن كونها مقدسة، يجعلها من نصيب إسرائيل! أو كأن قدسيتها تجعل الفلسطينيين على غير حق فيها! ولا غرابة طبعاً في أن يعلن كفر إسرائيل بالمنظمة الدولية، فليست هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها الإسرائيليون عن حقيقة شعورهم تجاه اليونيسكو، إن هذا في حدّ ذاته يبيّن إلى أي حدّ سيكون وصول مرشح عربي إلى رئاسة اليونيسكو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أمراً صعباً للغاية، ولكنه على كل حال موضوع آخر.
أما الخبر الثاني، فكان صادراً عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة، الشهيرة بالـ«يونيسيف»، وكان يقول إن مليوناً وأربع مائة ألف طفل صومالي، مُعرضون هذا العام لسوء تغذية حاد، وإن هذا الرقم يمثل ضعف التقديرات في يناير (كانون الثاني) الماضي، وإن الطفل المصاب بسوء التغذية يمكن أن يموت خلال ساعات، إذا لم يحصل على العلاج.
الخبر جاء في صورة تصريح على لسان السيدة ماريكسي مركادو، المتحدثة باسم المنظمة، بعد عودتها من زيارة إلى مدينة بيدوة الصومالية، بهدف التعرف على ما يمكن أن تقدمه اليونيسيف، في سبيل التخفيف من تعاسة أطفال الصومال.
أريدك الآن أن تضع الخبرين أمام الخبر الذي جمع قبل شهر من اليوم، بين أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، المنظمة الأم، التي تتبعها اليونيسكو واليونيسيف معاً، وبين ريما خلف، مديرة اللجنة الاقتصادية التابعة أيضاً للمنظمة الأم، والشهيرة بالـ«إسكوا».
لقد توفر عند ريما خلف تقرير يقول إن لإسرائيل ممارسات عنصرية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإن الأمانة تقتضي منها أن تعلن تفاصيل التقرير على العالم! ولكن، ما إن اشتم الأمين العام نية خلف تجاه التقرير، حتى سارع يطلب منها وضعه في الدرج، ولأنه رئيسها المباشر في عملها، فلم يكن في إمكانها أن ترفض طلبه، وكان عليها أن تضع التقرير في الدرج، لينتقل منه إلى ثلاجة المنظمة الدولية.
غير أن ريما خلف لم تشأ أن تجعل القصة تتوقف عند هذا الحد، فسارعت إلى غسل يديها من الموضوع، بأن أعلنت استقالتها وتمسكت بها، وكانت الاستقالة وحدها كفيلة بأن تقول ما طلب الأمين العام منها عدم إعلانه، وكتمانه، والتستر عليه... وزيادة.
ولم يكن هذا هو أول تقرير يثير أزمة داخل الأمم المتحدة، فلا نزال نذكر كيف أن الدكتور بطرس غالي قد أصر، حين كان أميناً عاماً للمنظمة الأم نفسها، على أن يذيع «تقرير قانا» الشهير، على العالم، وهو تقرير كان يدين إسرائيل على جرائم ارتكبتها في لبنان، وكان أن غضبت الولايات المتحدة مما فعل، ثم كان أن أضمرت له شراً، فكان عقابه أن واشنطن وقفت في طريق التجديد له في منصب الأمين العام، ومضى الرجل عنه غير نادم، لأنه أدرك أنه إذا كان قد خسر منصباً دولياً رفيعاً، فإنه قد حاز في المقابل احترام العالم.
ومن سوء حظ الأمم المتحدة أن وجهها السياسي هو الذي يصل إلى العالم في أنحاء الأرض، أكثر من غيره من الوجوه، وأنه هو الذي يبقى في ذاكرة الناس، ويترسخ، مع أن لها وجوهاً أخرى حسنة كثيرة، ليس أولها وجه اليونيسكو في قضية القدس مثلاً، ولا آخرها وجه اليونيسيف مع أطفال الصومال، وغير أطفال الصومال، من تعساء الأرض! وفي إمكانك أن تضم وجوهاً بيضاء أخرى لهما، مثل وجه «الصحة العالمية» القريبة في مقرها بالمدينة السويسرية، من مقر اليونيسيف، ومثل وجه «الفاو» المنشغلة في روما، بأغذية وزراعة الأرض.
يقول خبر القدس، مع خبر أطفال الصومال، على سبيل المثال، لا الحصر، إن الأمم المتحدة لها، كالقمر، وجهان، وإن هذا هو وجهها المضيء.