قمم الرياض... الفرص والرسائل

قمم الرياض... الفرص والرسائل

الاثنين - 19 شعبان 1438 هـ - 15 مايو 2017 مـ رقم العدد [14048]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
حين يتعلق الأمر بأميركا، علينا أن نتذكر أسباب قوتها. لقب القوة العظمى الوحيدة ليس عبارة إنشائية. إنها لقاء أكبر اقتصاد بأقوى آلة عسكرية في التاريخ، ومعهما الجامعة المفتوحة على المستقبل. إنها واقع دولي لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. يمكن القول إنها قدر دولي في هذه الحقبة. والسؤال الحقيقي هو كيف يمكن أن تجد لغة التعاون معها، كي لا تكتفي بخيار التعايش السلبي مع هذا القدر.
أميركا حاضرة هنا وهناك وهنالك. براً أو بحراً أو جواً. لا بدّ من السؤال عن موقفها أو دورها حين يتعلق الأمر بمستقبل الاقتصاد وضمانات الأمن وشروط الاستقرار. لكن الرقص مع أميركا ليس مسألة بسيطة. لا بدّ من فهمها بلغة المصالح وإدراك ميكانيزمات صناعة القرار فيها، فضلاً عن خيارات سيد البيت الأبيض وقراءته لمصالح بلاده ودورها في العالم.
نكتب عن أميركا لأن الشرق الأوسط يقف على مسافة أيام من حدث غير مسبوق في تاريخه الحديث. حدث سيترك بصماته على أوضاع المنطقة في السنوات القليلة المقبلة وأوضاع الملفات الأبرز المطروحة فيها. وهي ملفات قديمة وجديدة تتعلق بالإرهاب ومحاولات الانقلاب الإقليمية والسلام والاستقرار وترميم هيبة الحدود الدولية، فضلاً عن التعاون الاقتصادي ومكافحة الفقر والبطالة.
لا مبالغة في القول إن أنظار أهل المنطقة والعالم ستتّجه بعد أيام إلى الرياض. ستشهد العاصمة السعودية سلسلة من القمم. قمة أميركية - سعودية. وقمة أميركية - خليجية. وقمة عربية - إسلامية - أميركية.
وفي اختيار المكان رسائل شديدة الوضوح. اختار الرئيس دونالد ترمب السعودية لتكون محطته الأولى في جولة تشمل أيضاً إسرائيل والفاتيكان. وأولى الرسائل أن الجولة تشمل أتباع الديانات الثلاث، والغرض «بث رسالة واحدة» عن أهمية التعايش بين الديانات. وفي هذه الرسالة رد صريح على دعاة الكراهية وحملة مشاريع الصدام والإنكار.
واضح أن ترمب اختار البوابة السعودية مدخلاً لمخاطبة العرب والمسلمين. اختار السعودية بما تملكه من شرعية عربية وإسلامية مكاناً للقاء حشد من قادة العالمين العربي والإسلامي. وفي اللقاء فرصة متبادلة. فرصة لأميركا ترمب في مد اليد وشرح توجهاتها والبحث عن مشتركات. وفرصة للعالمين العربي والإسلامي في مدّ اليد وبناء جسور مع رئيس كان يعتقد أن علاقته بالعرب والمسلمين قد تبدأ باضطراب كبير.
والحقيقة أن سلسلة القمم هذه ما كانت لتعقد لولا الجهود الاستثنائية التي بذلتها السعودية في الشهور التي أعقبت تولي ترمب الرئاسة. جهود انطلقت من إدراك لأهمية دور الولايات المتحدة والحاجة إلى بناء تفاهم عميق معها انطلاقاً من لغة المصالح المتبادلة. وواضح أنه أمكن تركيز العلاقات على قاعدة صلبة ترتقي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
سلسلة القمم تعني أولاً إدراك الولايات المتحدة من جانبها لأهمية الدور الذي تلعبه السعودية كقوة اعتدال داخل العالم العربي والعالم الإسلامي. وتعني استمرار أهمية الثقل الخليجي اقتصادياً وسياسياً في آن. وأهمية الدور الذي تقوم به السعودية في سياق المكافحة الشاملة للإرهاب. مكافحة تقوم على ضرورة إلحاق الهزيمة بالفكر المتطرف وبقدرته على الاستقطاب، بحيث تواكب الحرب الفكرية العمليات العسكرية لاستئصال الإرهاب. وقد قدمت السعودية في العامين الماضيين ما هو أبعد من ذلك، حين اختارت طريق التغيير والتنمية والتحول الاقتصادي ضمانةً للازدهار والاستقرار وفتح النوافذ، ما يحاصر الذرائع التي يستخدمها أهل التشدد والتطرف. والرسالة المشتركة هي أن تحسين شروط حياة ملايين الشبان هو الضمانة في النهاية لغلبة خيار الاستقرار في الداخل والتعاون في الخارج.
ثم إن القمة العربية - الإسلامية - الأميركية تبعث هي الأخرى برسالة واضحة. مضمون الرسالة هو أين تقف الأكثرية العربية والإسلامية على الصعيد الدولي. إنها تفضل خيار الشراكة مع الولايات المتحدة والعمل معها في مكافحة الإرهاب واحتواء السياسات المغامرة، خصوصاً حين تقوم العلاقات على فهم عميق متبادل للمصالح والحساسيات. القمة نفسها تبعث برسالة صريحة إلى بلدين معنيين هما إيران وروسيا.
يجدر بإيران المنغمسة في انتخاباتها الرئاسية أن تتوقف عند معاني هذه القمة الموسعة. الأكثرية العربية واضحة. ومعها الأكثرية الإسلامية. والأكثرية في الشرق الأوسط. لا تستطيع إيران العيش إلى ما لا نهاية في حال اشتباك مع هذه الأكثريات. يجدر بها التفكير في التحول دولة طبيعية. والمقصود دولة تحترم الحدود الدولية ولا تحاول توسيع نفوذها بالتسلل إلى النسيج الاجتماعي والسكاني للدول الأخرى بذريعة حماية أقليات أو مجموعات. دولة طبيعية تحترم القوانين الدولية وتخاطب الدول عبر السفارات، لا عبر الميليشيات.
على روسيا أن تتوقف طويلاً عند مشهد القمم المتتالية في الرياض. انتهى عهد أميركا الأوبامية المنسحبة. أميركا ترمب تريد استرجاع مقعد القيادة. وتريد شركاء في مواجهة الإرهاب وسياسات زعزعة الاستقرار، وكذلك في معالجة النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. على روسيا أن تأخذ في الاعتبار التوضيح الذي تقدمه قمم الرياض حول موقع الأكثرية العربية والإسلامية والشرق أوسطية. النجاح الذي حققته موسكو على الملعب السوري قد ينقلب عبئاً عليها إذا ما استدرجها إلى السير طويلاً ضد إرادة الأكثرية التي تدخل الآن في شراكة جديدة مع إدارة ترمب. على روسيا بوتين التقاط الرسالة.
قمم الرياض هي قمم الفرص. فرص البحث عن المصالح المشتركة وهدم الجدران وترسيخ الجسور وتعميق التعاون الاقتصادي والسياسي. وهي قمم الرسائل بين المشاركين وبينهم وبين الذين لم يتوقعوا أن يشهد الشرق الأوسط وبهذه السرعة هذا النوع من المشاهد.

التعليقات

رشدي رشيد
15/05/2017 - 05:30

هذه الرسائل الانسانية لا تفيد ملالي ايران بشيئ لأنه ببساطة لديهم اجندات تدميرية في الدول العربية ولديهم نزعة احياء الامبراطورية الفارسية بالاضافة الى حقدهم الدفين ونشر سموم الطائفية بدون ذلك لن يستطيع النظام في ايران من إكمال عام واحد في السلطة اذا تصالحت مع الدول العربية واستمعت الى صوت العقل. لم يتم تبديل الشاه في ايران والذي كان الحليف القوي للغرب بالخميني إلا بعد تأكدهم بمدى حقد ودموية النظام البديل لنظام الشاه تجاه العرب والمسلمين. لن تفيد الحوار مع هؤلاء الملالي الحاقدين على الامتين العربية والإسلامية
وعلى البشرية جمعاء من خلال دعمهم للمنظمات الارهابية من داعش والقاعدة والميليشيات الطائفية الارهابية لا يوجد مخرج مع النظام الإيراني المدعوم سرا من الغرب وعلنا من قبل المعسكر الشرقي إلا بتغيير هذا النظام وتخليص الشعب الإيراني منهم.

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
15/05/2017 - 06:57

كما يقول المثل : كيفيت ووفيت ، مقالة في غاية الأهمية ، شكراً أستاذ غسان .

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
15/05/2017 - 13:11

قمة الرياض هي قمة القرن حتى الآن ، وربما ستكون كذلك حتى نهاية القرن ، لانها ستؤسس لعلاقات متينة وهادفة وموضوعية ، وهي بالتالي ستقوم بعملية فرز الطيب من الخبيث ، وستكون فاتحة لانتعاش سياسي واقتصادي سواء بالنسبة للسعودية أو الخليج العربي ومعها امة العرب والامة الإسلامية ، هذا الأساس القوي الذي ترتكز عليه كل المفاهيم الحضارية ستجعل من هذه التظاهرة العالمية غير المسبوقة والتي ستحتضنها الرياض هي قمة تاريخية بلا منازع

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
15/05/2017 - 17:31

أويد د وائل خلدون فعلا مقال بالغ الاهمية كما عودنا الاستاذ غسان شربل بمقالاته الرصينة، كما أود ان أضيف، ان الأعلان عن القمة المزمع عقدها في الحادي والعشرين من الشهر الجاري يعتبر نجاح كبير لسياسة المملكة العربية السعودية بقيادة ملك الحزم والعزم الملك سلمان بن عبد العزيز كما هو نجاح منقطع النظير لزيارة ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان والتي لابد ان تكون تلك الزيارة قد مهدت لهذا الحدث الغير مسبوق كما هو نجاح للوزير عادل الجبير ولجهود الحثيثة. وهنا لابد ان اذكر ان هذا النجاح هو لكل دول الاعتدال في المنطقة. ومثلما ان هذاالتجمع نجاح كبير فهو مسؤولية كبيرة على عاتق السعودية بالاخص، كمل هو على عاتق كل الدول المشاركة
هناك تكملة

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
15/05/2017 - 17:34

المشاركة في جعل هذا التجمع يخدم المصالح المشتركة للدول العربية والاسلامية كما يخدم الولايات المتحدة وان يكون هذا التجمع نواة لمنظمة او تجمع مستدام لكي يكون داعم لتطلعات الشعوب في الحياة الكريمة. وهنا لابد من الاشارة ان مطلوب اليوم من دول هذا التجمع أيجاد حل لقضية تغلغل ايران بمليشاتها وزعزعتها لامن واستقرار دول المنطقة، وفي اعتقادي إن إنتظار تغيير في ايران عبر الانتخابات هو غير مجدي، فان تاريخها الطويل في الانتهاكات لايبشر بان هناك اي ضوء في نهاية هذا النفق المظلم، ولابد من طرح حلول واقعية وهذه القضية مهمة وحيوية سواء كانت لمحاربة الإرهاب أو لاستقرار دول المنطقة والذي بالتأكيد سيؤثر على النمو الاقتصادي لهن . مع الشكر لك

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر