رحيل العميد

رحيل العميد

الاثنين - 19 شعبان 1438 هـ - 15 مايو 2017 مـ رقم العدد [14048]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
هناك حالات يكون فيها تاريخ الأفراد هو تاريخ الجماعة، والمرحلة، والمكان. وتاريخ شخصية إعلامية كبيرة، مثل تركي السديري، هو تاريخنا كصحافة وصحافيين، وتاريخ لحقبة طويلة من تلك المرحلة.
بوفاة تركي السديري نفتقد عميد الإعلاميين في السعودية الذي تبوأ هذه المكانة لنحو ثلاثة عقود، برغبة من الإعلاميين، حيث لم تكن حينها هناك جمعيات ولا رابطة تدافع عنهم. كان يقوم بهذا الدور بذاته، قبل أن يكلف به رسميا في وقت لاحق. وما كان له أن يرتضيه لولا ثقة الجميع به. كان تركي هو النقيب والنقابة.
وبخلاف الانطباعات السائدة، فالراحل الكبير لم يهبط على المهنة بمظلة من السماء، بل أخذ مكانته مثل معظم أهل المهنة من المحترفين، بدأ العمل فيها من أول عتبة في السلم، من محرر صغير ووصل أعلاه بجهده ومهنيته.
بسبب محبتنا له كزميل وأخ عزيز، طبيعي أن رأينا فيه غير محايد، لكن الذي بناه تركي السديري كبير جداً، كان شخصية مؤثرة. على مدى حقبة طويلة تسيد المشهد، وترك بصماته عليه. حرصه على تقاليد المهنة جعلها ثابتة، كما غرس أصولاً في المجتمع الإعلامي، في علاقات الحكومة بدور النشر الإعلامية، وعلاقات الإعلام ببعضه، وتطوع مراراً لحل مشاكل المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحافيين والدفاع عنهم. ومعظمها بقيت طَي الكتمان ولاحقا طَي النسيان.
وفي الفترات المبكرة، عندما كان الإعلام المكتوب هو المهيمن، عشنا تجاذبات مستمرة بين الجهات المسؤولة مثل وزارة الإعلام والصحافيين، وكان معظمها نزاعات على المساحات، والحريات، والتوقعات غير المعقولة، وأحيانا شخصنة سلبية. وقام تركي بدور المحامي، في مجادلة الوزراء، والمسؤولين، والمحتسبين.
لم يكن شرساً ولا مهادناً أيضا، بل كان صاحب عزم يدافع عن كل حالة، ويضع ثقله لحسم الموضوعات وإنهاء الاشتباكات المتكررة. صار نموذجاً لنا جميعاً، الرجل الدمث المقنع الحريص على أهل المهنة، زملائه، بغض النظر في أي مؤسسة يعملون، وإن كانوا منافسين له، أو على خصومة في الرأي والموقف.
ولم يكن غريبا أننا نحب المعلم تركي السديري لأننا من نفس المدرسة ونحمل بسعادة نفس القناعات والمبادئ الإنسانية.
كان له رأي يجاهر به، مثلاً بأهمية دور المرأة في مجتمع سعودي محافظ جداً، وكان يمارس ما يعظ به الآخرين. تحدى السائد وفرض أقلاماً نسائية، ومكّن صحافيات من العمل. لهذا كانت جريدة «الرياض» هي تركي السديري بفكره التحديثي، رجل مواقف لم يعبأ بالهجوم والنقد عليه من اليمين واليسار.
برحيله فقدنا رجلاً نبيلاً وأستاذا كبيراً وأخاً عزيزاً، تغمده الله برحمته وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.


[email protected]

التعليقات

سعد
15/05/2017 - 06:59

وصف الملك عبدالله ان تركي ملك الصحافه السعودية وصف صادق ..اختط تركي طريق الصحافه السعوديه لتكون اداة ناجحة في يد القائد والقاريء وترسيخ المواطنه عبر جريدة الرياض حتى اصبح لها بريقا معروفا .. لكن هنالك المزيد الممكن بذله لابقائها على نفس البريق .

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
15/05/2017 - 10:02

ادى رسالته بامانة ومشى . لأنه لم يرحل ترك ارث واثر كبير في نفوس احبابه وشعبه واهله وزملائه واصدقائه . صاحب فكر نير ومنير يستمع القارئ بمقالاته لأن اكثرها شفافة وليس فيها خيال وتخيلات . واقعي ويعشق الصراحة والبينة بعيداً عن الغمز واللمز والهمز . صبور على من ينتقده ينتقد بأدب ودود ومحب حتى مع من يختلف معه بالرأى يتطلع الى التجدد والجديد يجاهر ولا يهمس . رحمه الله واسكنه فسيح جنانه العزاء الحار لعائلته الاولى والثانيه لأن الثانية عائلته له فيها الآف الاشقاء والاصدقاء والمحبين والى كل شعب المملكة العربية السعودية والصحافة السعودية والعربية . تركي السديري يراعك سيبقى نبراس للاجيال نم قرير العين كلنا ( نحبك )

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر