لوحة رباح

لوحة رباح

الأحد - 18 شعبان 1438 هـ - 14 مايو 2017 مـ رقم العدد [14047]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

أثناء إعداد كتاب عن لورنا، الرسامة البريطانية التي اقترنت بالرسام والنحات العراقي الرائد جواد سليم (1919 - 1961)، قالت إن زوجها كان بالغ اللطف معها. أخذها للعيش معه في بغداد، ولم يدعها تشعر بالغيرة، يوماً. رغم أنه كان يرسم العديد من الموديلات والنساء الجميلات. وبرأيها، فإن من أجمل لوحاته تلك التي رسمها للسيدة رباح، زوجة علي حيدر الركابي، مدير شركة المنصور.
لم أرَ اللوحة. ولا شك أنها ظلت مع صاحبتها في بيتها ببغداد. ثم حدث أن قرأت، بمحض المصادفة، نعياً في الصحف لرباح الركابي، السيدة ذاتها التي رسمها جواد سليم في واحدة من لوحاته التي لم يشاهدها سوى المقربين من العائلة. وعرفت من النعي المنشور أن الراحلة أمضت سنوات من حياتها في المملكة العربية السعودية، حيث تركت أطيب الذكر بين مَن عرفها ومنهم تلميذاتها السابقات. كان هناك رقم هاتف وفاكس لتلقي العزاء. ومن دون معرفة مسبقة، بعثت رسالة مواساة إلى نجلها حسين، مع رجاء بإرسال نبذة عن حياة والدته وصورة للوحة التي رسمها جواد. وكم كنت ممتنة عندما وصلت إليّ رسالة جوابية من الرياض، تضمنت سيرة مدهشة لرباح الركابي في ست صفحات كاملة، مع صورة صغيرة لها في سنها المتقدمة، وصورة ثانية لها في شبابها يوم جلست ليرسمها جواد.
في الصفحة الثقافية من هذه الصحيفة، بتاريخ يعود إلى عشرين عاماً خلت، رويت القصة في مقال بعنوان: «حكاية امرأة ولوحة». وبعد النشر، بقينا نتبادل بطاقات التهاني في الأعياد، يسبقني حسين الركابي بكرمه دائماً، قبل أن ينتقل وأسرته إلى أستراليا، إحدى محطات «الطشّار» العراقي. صار الإيميل حماماً زاجلاً بيننا. ومن خلاله، خطر ببالي قبل فترة أن أسأله عن لوحة جواد. كانت أعمال الفنان قد توزعت في الأرجاء ولم يجمعها متحف واحد. وقد كثر مقلدوه، وظهرت لوحات كثيرة مزورة. ويبقى التعرف على لوحة غير معروفة له، أو الاطمئنان على سلامتها، فرصة للفرح. لكنني فوجئت برد غاضب يصل إليّ، يفيد بأن اللوحة تضررت من فترة بقائها الطويلة في بغداد دون صيانة. ولما تم نقلها إلى الأردن، قام مفتش الجمارك العراقية بخرقها أثناء تفحصه لها. لقد أصابها أذى كثير بحيث إن حسين كان يفكر بحرقها. وأنا أفهم تماماً شعور الطعنة التي يشعر بها الإنسان في لحمه، إذا وقع اعتداء على أثر يعتز به. هكذا كان الأمر عندما داس جنود أجانب ببساطيلهم حجارة بابل. أو حين حاذت دبابة أميركية نصب الحرية لجواد سليم. أو حين قصفت الطائرات المغيرة على بغداد الجسر المعلق.
قبل فترة، ظهرت فكرة إعادة طباعة كتاب «لورنا وسنواتها مع جواد سليم». كانت الطبعة الأولى قد صدرت في بيروت، أثناء سنوات الحصار، ولم تصل سوى نسخ قلائل منه إلى قارئه الأجدر، في العراق. كما أن تطور تقنيات المسح الضوئي بات يسمح بطباعة أوضح للصور التاريخية الكثيرة التي يتضمنها الكتاب. إذن، لا بد من صورة جديدة وواضحة للوحة السيدة رباح الركابي. ومجدداً لجأت إلى ولدها حسين في ملبورن، مثلما لجأت إليه قبل عشرين سنة في الرياض، وعرفت أن اللوحة قد جرى ترميمها وهي تزيّن صالون شقيقته عالية في أميركا. ومرة أخرى عشت لهفة الانتظار حتى وصلت إلي الصورة. ماذا أقول؟ إنها بأبعادها الكبيرة تختصر كل الجمال والتحضر الذي كانت عليه بغداد قبل ستين عاماً. أقصد قبل انفجار البشاعة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة