ماكرون وإحياء أوروبا

ماكرون وإحياء أوروبا

الجمعة - 15 شعبان 1438 هـ - 12 مايو 2017 مـ رقم العدد [14045]
روجر كوهين
كاتب, نيويورك تايمز

ليس فقط أن إيمانويل ماكرون قد فاز بالانتخابات الرئاسية وسوف يكون، في سن التاسعة والثلاثين من عمره، أصغر رئيس في تاريخ فرنسا. وليس فقط لأنه نجح في هزيمة مارين لوبان، ومن ورائها القوى الشعبوية الكارهة لوجود الأجانب. بل لأن الأمر يتعلق بفوزه بموقف جريء لصالح الاتحاد الأوروبي الذي خسر كثيرا في الآونة الأخيرة، ومن ثم إعادة التأكيد على الفكرة الأوروبية، والمكان الذي تحتله أوروبا في عالم هو في أمس الحاجة إلى القوة والقيم.
يأتي هذا الفوز الحاسم في أعقاب القرار البريطاني الكئيب خلال العام الماضي بمغادرة الاتحاد الأوروبي.
أكد ماكرون على رسالته الواضحة من خلال الخروج إلى أنصاره في باريس مترافقا بقصيدة الفرح الأوروبية من تأليف الموسيقار بيتهوفن، بدلا من النشيد الوطني الفرنسي «لامارسييز»، كبادرة قوية للاتحاد والانفتاح.
ولقد تفادت الجماهير الفرنسية ميل مارين لوبان الشديد نحو أوروبا الشعبوية والعنصرية. ولقد كان تأييد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسيدة لوبان لغرض ما: إنه يود كسر الوحدة الأوروبية، وهتك الرابطة الأوروبية القوية مع الولايات المتحدة الأميركية. بدلا من ذلك، صمد تيار الوسط، وصمدت الحضارة الأوروبية بصموده.
تشكل الفيدرالية الأوروبية أساس الاستقرار والازدهار الأوروبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي توفر أفضل الفرص السانحة للشباب الأوروبي للنجاح في مساعيهم. وهي تجسد المصير الأوروبي المشترك، كما أشار إليه السيد ماكرون في خطاب قبول الرئاسة، واقفا أمام علم فرنسا وعلم الاتحاد الأوروبي. والتفكير بخلاف ذلك يعني النسيان المتعمد للتاريخ. وليس من المستغرب في أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، من خلال المتحدث الرسمي باسمها، قد أعلنت على الفور انتصار أوروبا القوية والموحدة.
ومن شأن ذلك أن يستلزم قدرا معتبرا من الإصلاحات، إذ إن أوروبا، الراضية عن ذاتها، قد فقدت كثيراً من زخمها في الفترة الماضية، ويقدّر السيد ماكرون هذا الأمر تماما. ولقد أعلن يقول: «أسعى إلى إعادة نسج الروابط بين المواطنين الأوروبيين». ويتطلب الأمر كذلك المزيد من الشفافية، والمزيد من المساءلة، والمزيد من الإبداع والابتكار كذلك. وليست هناك من معجزة أعربت عن نفسها بالكثير من البؤس أكثر من معجزة الاتحاد الأوروبي.
والسيد ماكرون، ذلك القادم من المجهول في غضون عام واحد على رأس حركة سياسية ناشئة وجديدة، لم يوزع الوعود الانتخابية الجوفاء أو يختلق القصص الواهية. لقد وقف إلى جانب اللاجئين، ووقف إلى جانب العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، وكان على استعداد لأن يخبر الشعب الفرنسي أنه ليس بإمكانه تحويل ظهره عن الحداثة والازدهار.
وتمكن من تصدر استطلاعات الرأي متفوقا فيها على السيدة لوبان بنسبة 20 في المائة، من خلال طرحه للحجج العقلانية القوية، وذلك في أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية منذ أسبوعين فقط، وارتفعت تلك النسبة إلى 30 في المائة، مما أسفر عن فوزه برئاسة البلاد بنسبة 66.1 في المائة من أصوات الناخبين مقابل 33.9 في المائة فقط حصلت عليها السيدة لوبان. وكان هذا، في عهد أخبار دونالد ترمب الزائفة، والمزاعم الزائفة، والزيف الشامل في كل شيء، من الأدلة المهمة للغاية على أن العقل والتماسك لا يزالان يحتلان الأهمية القصوى في المجال السياسي.
والآن، يبدأ الجانب الصعب. لأول مرة في فرنسا، يحصل اليسار المتطرف على أكثر من ثلث الأصوات، وهو انعكاس واقعي لحالة الغضب والسخط التي تعم البلاد جراء البطالة، والفشل في إدماج المهاجرين، والركود الاقتصادي. والسيد ماكرون، الذي قال إنه يعي تماما حالة الغضب والقلق والشكوك، يحتاج إلى التعامل مع هذه الاضطرابات الاجتماعية على نحو مباشر من خلال إحياء الشعور بالاحتمالية في فرنسا. ومن دون إجراء التغيير، فسوف تستمر السيدة لوبان في الحصول على المزيد من الزخم والتأييد.
والتغيير هو من الأمور العسيرة للغاية في الواقع الفرنسي. وذلك لأن فرنسا هي من البلاد المتعلقة بشدة بالحقوق المكتسبة، تلك الحقوق التي ترسخت وتأصلت من حالة الرعاية الاجتماعية الشاملة. ولقد حاول الكثيرون إجراء هذا التغيير، وفشل الكثير منهم في ذلك.
ويصعب التغيير بصورة خاصة من دون الدعم البرلماني القوي، ولسوف يحتاج السيد ماكرون إلى ذلك. ومن المقرر انعقاد الانتخابات البرلمانية في الشهر المقبل. وينبغي على حركة «إلى الأمام» التي يتزعمها الرئيس الفرنسي المنتخب أن تعمل على تنظيم سريع للذات للاستفادة من انتصاره في الانتخابات الرئاسية. وتملك حركة «إلى الأمام» في الوقت الراهن زخماً سياسياً استثنائياً، إذ إن المشهد السياسي التقليدي للجمهورية الفرنسية الخامسة - من حيث التناوب بين الاشتراكيين من يسار الوسط والجمهوريين من يمين الوسط - قد تشرذم بالكامل.
وربما أن هذا الإنجاز، غير المسبوق شهوده في التاريخ السياسي الأوروبي الحديث، وموقف السيد ماكرون كممثل مستقل لتيار الوسط، هو ما يمنحه زخماً فريداً من نوعه في إقناع الشعب الفرنسي، أخيرا، بأنهم يستطيعون - كمثل ما حدث في ألمانيا، وهولندا، والسويد، والدنمارك - الحفاظ على جوهر حالة الرعاية الاجتماعية الشاملة في حين تشكيل سوق العمل الأكثر مرونة والذي يمنح المزيد من الأمل للشباب. ومع معدل البطالة البالغ 25 في المائة بين الشباب الفرنسي، فإن فرنسا بالفعل تتخلى عن ذاتها.
وإذا ما قُدر لفرنسا القيام من جديد، فسوف تقوم معها أوروبا بأسرها. ومن شأن ذلك أن يشكل توبيخاً قوياً للمدرسة القومية الاستبدادية - السيدة لوبان وصراعها السياسي المصطنع، وكوميديان كراهية الأجانب في بريطانيا نايجل فاراج، وفلاديمير بوتين في موسكو...
يعتبر ماكرون منتصراً من مناح عدة. فلقد أظهر أن فرنسا ليست الدولة التي يمكن فيها للعنصرية وللنزعة القومية المغالية والمناهضة لأوروبا أن تحرز نصرا في الانتخابات. ولقد أعاد التأكيد على الفكرة الأوروبية وأثار احتمال أن تعمد كل من فرنسا وألمانيا إلى إعادة إحياء المثالية الأوروبية. ولقد توجه بالتوبيخ اللاذع لحفنة من البريطانيين الذين صوتوا لانتزاع بريطانيا من ربقة الاتحاد الأوروبي (وجعل من صعوبة التفاوض حول هذا الخروج أمراً لا مفر منه).
وقبل كل شيء، ومن خلال ذكائه السياسي، وكياسته، وثقافته، وانفتاحه، أقام السيد ماكرون الحاجز الذي طالما اشتدت الحاجة إليه في وجه البلادة، والجهل، والانغلاق.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة