لا هدنة في الأيام

لا هدنة في الأيام

الأربعاء - 13 شعبان 1438 هـ - 10 مايو 2017 مـ رقم العدد [14043]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

احتفل الأوروبيون بذكرى استسلام الألمان في الحرب العالمية الثانية، الثامن من مايو (أيار) 1945. كل أوروبي ولد بعد ذلك التاريخ رأى قارته تتقدم. الحروب تقريباً تزول، الحدود تُفتح، العداوات التاريخية تتحول إلى مصالحات وتحالفات، الصناعات تتطور مئات الأضعاف، الازدهار شبه عام، الأوبئة منقرضة، الطبابة شبه مجانية، الشيخوخة مضمونة، شبكات الطرق تربط أصغر وأقصى القرى بجميع المدن، القطار يربط باريس ولندن تحت مياه المانش في نحو ساعتين بعدما ربطهما العداء طوال قرون، الرحلات الجوية تربط جميع المدن، المصانع تنتج طائرة مدنية واحدة، الدول ذات الموازنات الفائضة، مثل ألمانيا، تساعد الدول المحتاجة مثل اليونان. الأمن شبه موحد. الدفاع شبه موحد. السياسة الخارجية شبه واحدة. إجازات العمل مفتوحة. الإقامة الدائمة مفتوحة.
كل عربي ولد منذ 1945 شهد ضياع فلسطين. ثم شاهدها تنتقل من قرار التقسيم مع اليهود إلى قرار التقسيم بين الفلسطينيين، وشهد دولاً عربية تُحتل مرة واحدة على الأقل. وشهد العراق يحتل الكويت ويشرد الكويتيين. ثم يشرد العراقيين. وشهدنا منظمة التحرير تخوض ثلاث حروب خارج فلسطين، في الأردن، ولبنان، والكويت. وشهدنا حروب الجزائر والمغرب، والسودان ومصر. والسودان والسودان. وحرب لبنان. وحرب «الخلافة». وشهدنا عودة العسكر التركي والإيراني. وشهدنا العرب يملأون البحار لاجئينَ لا سفينا. ونصف الشعب السوري ونصف الشعب العراقي مثل ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، مشردون بعيداً عن أرضهم وتربة جدودهم. والصناعة في الحضيض، والازدهار في الحضيض، والتطور في التخلف، والحدود إما سائبة أو جدران، والجيوش تقاتل في الداخل، والطيران يقصف في الداخل، وشعوبنا تنتظر في صفوف طويلة الإعاشة والتأشيرة.
مسكين العربي الذي ولد بعد 1945. ناهيك بالذي ولد قبلها. وبدل أن نقتدي بالأوروبي، نريد أن ننتقم منه، وأن نرغمه على إنهاء تجربته، وعلى أن يقلدنا في إغلاق حدوده، ونريده أن ينام مثلنا خائفاً وقلقاً، وأن يكره فكرة الاحتضان وحاجة اللجوء.
حوَّلته حروبه الماضية، وقرونه المتوحشة إلى إنسان يعمل من أجل حاضر هادئ ومستقبل أفضل، وتفرخ فينا قروننا الماضية بؤس الحاضر ورعب المستقبل.
منذ 1945 بدأت شعوب العالم ودوله تنتقل إلى الاستقلال والحرية، والتعاون الإقليمي في آسيا وأميركا اللاتينية، وحتى أفريقيا، والجامعة العربية كانت المنظمة الإقليمية التي فشلت، والاتحاد المغاربي لم يستطع حتى الاجتماع، وجميع الوحدات والاتحادات قامت في أسطر وسقطت دون بلاغ، فيما عدا وحدة الإمارات العربية ومجلس التعاون الخليجي. وأرجو ألا يسمى كل هذا جلداً للذات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة