أسرار نزار

أسرار نزار

الخميس - 8 شعبان 1438 هـ - 04 مايو 2017 مـ رقم العدد [14037]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
غاب نزار قباني قبل عقدين ومعه أسراره الثلاثة: الأول، أنه الأكثر حداثة والأكثر التزاماً بإيقاع الشعر العربي. والسر الثاني، أنه كان الأكثر غزلاً والأكثر سياسة في وقت واحد. وسرّه الثالث، أنه الشاعر الوحيد في القرن العشرين الذي كان يُعرف من اسمه الأول، ولا حاجة لذكر اسم عائلته: أحمد، كان يجب أن تتبعه بشوقي. محمود، كان يجب أن تلحقه بدرويش. سعيد، كان يجب أن تضيف إليه عقل. هو، كان يكفي أن تقول نزار.
وكان فيه سر رابع. لم يبقَ أحد من رعيله أو من دون الرعيل، إلا وحاول تقليده، على الأقل في مرحلة من مراحله. ولم ينجح أحد في التوأمة. تعب المقلدون دون جدوى، وانسحبوا دون إعلان، وظل يقرض الشعر بأسلوبه وعفويته وإيقاعه مثل بحرة أو ياسمينة في حديقة دمشقية.
وسره العميق شجاعته. عاتب في اليمين، وعاتب في اليسار، وبلغ به الأمر حد التجريح، هنا وهناك. لكنه عاد فهدأ وقال إن الحق على الشعر لأنه يغوي الشاعر بالغلو. وبادله الجميع بالحب. تناسى جمال عبد الناصر «دفاتر النكسة»، وتناسى أهل الخليج شيئا من شعره، وخرجوا يستمعون إلى أمسياته ويهتفون.
خاصم نزار سوريا، وتركها إلى بيروت. وعزَّ عليه خراب بيروت التي أضاع في ركامها عيني بلقيس الخضراوين مثل دجله والفرات. فغادرها إلى لندن. وفي ضباب لندن ظل يشرق مع شمس العرب.
كان يدرك بفرح شديد، أنه حالة شعرية لا رديف لها. وكان يتلذذ بخبث وهو يرى المحاولات تسقط على ضفتي النهر. وكان يمزح ويفاكه وتفور فيه السخرية الشامية، كلما سقط شاعر آخر، فيقول ضاحكاً ساخراً، متهكماً: «إيه شو قلنالك خيّو»؟
عامل كل ما هو عربي وكأنه أمانة في عنقه ودين في صدره: اللغة والنثر والشعر والانتصار والحضارة والثقافة والإبداع والرقي. كل ما هو دون ذلك كان طعنة في قلبه يحمل لها سيف دون كيشوت ويهب على الطواحين. هاجم العرب بقدر ما أحبهم. وأغار عليهم بقدر ما غار على عروبته، واتخذ لنفسه قراراً لم يستطع أحد إقناعه بإعادة النظر فيه: هو يوم نسر، وهو يوم عندليب.
وأحبت العرب النسر، وشغفها العندليب. وظل شامخاً مثل نخلة، تحط على جذوعه الطيور. وكان شاطراً، ماكراً، يعرف ذلك ويتلذذ بمرتبة السامقين: «إيه خيو، مو قلنالك...».

التعليقات

ياسر عبدالله / محامي
البلد: 
الأردن
03/05/2017 - 22:24

لقد تمكّن نزار قباني " نزار " من ناصية الكلمة وصهوة الفكرة ، فلانت له الكلمة وصارت طوع لسانه ، ودانت له الفكرة وأصبحت رهن إشارته ،

Mohammed
البلد: 
السعودية
04/05/2017 - 00:20

تربى في سوريا وانكسر قلبه في بيروت ومات بلندن..
ضرب السياسة بالأدب وربط النخوة بالعرب عمل ما لم يسبقه عليه احد.
لكنه لا استطاع التعايش

يوسف
البلد: 
العراق
04/05/2017 - 04:24

مقالتكم رائعة. ويمكن أن أضيف بأن نزار هو من أكثر الشعراء تلقياً للنقد والذم والهجاء لشعره الغزلي خاصةً في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ثم لاحقاً لشعره السياسي. وفي النهاية أثبتت تجارب الحياة صواب موقفه وشكراً.

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
04/05/2017 - 09:07

تحية تقدير وإحترام للأستاذ سمير عطا الله،سفير الشعراء المنفيين من الشرق الأوسط أمثال نزار وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري والجواهري وغيرهم.وإذا كان الشاعر العربي المرحوم نزار قباني مثله نخلة،وسيادتك مرآت تعكس لنا ملامح النخيل الشامخة..عمر الله جسدكم بالصحة والعافية أستاذ سمير،ورحم الله لنزار قباني الذي رجم أصحاب السلطة بقلمه

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
04/05/2017 - 13:32

لاول مرة ارى نزار قباني بهذا الصورة والوصف الفريد من نوعه نعم كنا نراه شاعر استثنائياً وشعره فيه وجع العرب كله لكن الوصف المطروح في مقالة الرائع الاستاذ سمير عطاالله تجاوز تلك الصورة التقليدية

موسى سليمان
البلد: 
CANADA
04/05/2017 - 14:44

نزار كان شاعرا من شعراء السهل الممتنع و من أبرع شعراء جيله ، غازل النساء و الساسة ، ثم خاصم الساسة و بقي على عشقه للأنثى .. لكني أختلف مع الكاتب في أن شوقي كان يحتاج إسمه كاملا كي يعرف ..

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة