العادي الجديد!

العادي الجديد!

الثلاثاء - 5 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ رقم العدد [14035]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

لم يكن أكثر الأميركيين يتوقعون أن يشاهدوا رئيساً من خارج المنظومة السياسية التقليدية، ويكون من ضمن موظفي البيت الأبيض والدائرة المقربة جدا ابنة الرئيس وزوجها، ويكونان من ضمن أهم المؤثرين في صناعة القرار، وأن يكون أيضا من ضمن كبار المستشارين أحد أهم أصوات اليمين، وأن يكون هناك تحقيق يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي عن اختراق روسي لفريق الرئيس، وتأثيره على نتائج الانتخابات الرئاسية.
كل ذلك واقع فعلا، ولكنه بكل اختصار «العادي الجديد». العادي الجديد هو أيضا قبول فكرة وصول شخصيات ومنظمات وأحزاب متطرفة وإرهابية إلى السلطة في أوروبا، وبعض دول المنطقة (حزب الله والإخوان والحرس الثوري الإيراني)، وكذلك الحديث عن خروج بعض الدول من الاتحاد الأوروبي بعد بريطانيا، وهو الكيان الذي جاء بعد حربين عالميتين مدمرتين واستغرق إنشاؤه أكثر من 50 عاما. العادي الجديد أن يتم الحديث عن مكافحة الإرهاب بلسان حسن نصر الله وبشار الأسد، ويصدقهما البعض. العادي الجديد أن تقود اليوم أكبر دولة شيوعية النظام الرأسمالي الجديد كما هو حاصل مع الصين تحديدا، العادي الجديد أن الشركات الجديدة التي لا تنتج شيئا ملموسا ولا أصول في مستودعاتها تبلغ قيمتها السوقية أكبر بكثير من شركات تصنع سيارات وشركات تصدر الغاز والنفط.
العادي الجديد هو الحديث المتزايد عن القوة التصاعدية للإنسان الآلي والذكاء الصناعي الذي سيغير من طبيعة الوظائف والعمل في المستقبل القريب جدا، دون إدراك جاد لطبيعة آثاره المتوقعة على سوق العمل والمتقدمين فيها. العادي الجديد هو رؤية وسائل إعلامية تقليدية مثل الصحف والمجلات والتلفزيون في طريقها جميعا للانقراض وظهور إعلام جديد وبديل في غاية التأثير.
أتذكر موقفا مؤخرا حصل لي مع ابني وابنتي في مدينة نيويورك عندما دخلت معهما أحد محال التجزئة، وكان معي مجموعة من الصحف أحملها ورأتني البائعة وهي في سن ابنتي، وما كان منها إلا الصراخ بأعلى صوت مبدية دهشتها وقالت: «صحف ورقية.. يا لها من متعة، أنا لم أر صحفا ورقية منذ ستة أعوام»، وطبعا أحسست فجأة أنني من أهل الكهف، وفي زيارة طارئة إلى كوكب زحل. عدت إلى الفندق مسترجعا سلسلة وسائل التواصل التي عشتها في حياتي ومع جيلي، من البريد إلى التلغراف إلى التلكس إلى الفاكس إلى البريد الإلكتروني إلى الواتساب مرورا بالهاتف العادي إلى البيجر، إلى الهاتف الجوال، مع عدم إغفال الأسطوانة والكاسيت والكارتريدج والفيديو والسي دي، والدي في دي، كل ذلك في زمن واحد بسيط. القواعد والمسلمات لم يعد يؤخذ بها، لأن هناك العادي الجديد يتم تطبيقه، بحيث يصبح أمرا واقعا وفيه القبول.
والعادي الجديد سيشمل أيضا الإقلال من دور السيادة الوطنية لصالح التشريعات الدولية في القوانين والأنظمة، العادي الجديد أن الإنسانية ستكون قاعدة الانتماء، والهوية الدولية لها شروط أهمها احترام الآخر والاعتراف بحقه، العادي الجديد هو أن تكون جزءا من كل هذه المنظومة الجديدة أو تكون خارجها.
العادي الجديد أن تكون جزءا من صناعة المستقبل أو تقبع في الماضي إلى الأبد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة