رجل الدين عندما يصبح سلطاناً

رجل الدين عندما يصبح سلطاناً

الجمعة - 18 رجب 1438 هـ - 14 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14017]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية
عندما كنتُ أُترجم كتاب روي متحدة المشهور: «بردة النبي، الدين والسياسة في إيران» الصادر عام 1988، استغربتُ لما اعتبره «صعوبات» في أن يستتبَّ الأمر للملالي في الحكم، وذلك بحسب تقديره؛ لأنهم مضطرون للالتزام بحرمات الدم والعرض والمال، التي ذكرها النبي (صلى الله عليه وسلم) في خطبته بحجة الوداع، ثم لأنّ المظلومية، وهي دعواهم الرئيسية لحقهم في تولي السلطة، مضمونها سفك يزيد بن معاوية لدم الحسين، ولذا ولأنّ «ثارات الحسين» أُخذت بطرقٍ مختلفة آلاف المرات، ولأنّ الإيرانيين شيعة حسينيون ليس بينهم خصوم؛ ولأنه لا يجوز التشبه بيزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد في سفك الدم؛ فإن الملالي سيترددون كثيراً في سفك الدم أو في السير على خطى الشاه ونظامه الشمولي (!). وقد يكون هذا التردد بين أسباب عدم استمرار نظامهم الجديد رغم عظمة الحركة الشعبية التي أتت بالخميني إلى السلطة، ورغم إجماع الإيرانيين من حولهم بسبب حرب صدام حسين عليهم!
وما كان لمتحدة (الإيراني الأصل) - حتى في عام 1988 - أن يتجاهل الإشارات المتكاثرة إلى أنّ الملالي يمكن أن يكونوا أقسى من الشاه بمراحل تجاه شعبهم! ففي عام 1987 كان قد صار واضحاً أنّ الذين أعدموا بأحكامٍ قضائية من جانب خلخالي وأمثاله يُعدون بعشرات الألوف. أما الذين قُتلوا بأساليب مختلفة خارج الجبهات مع العراق فبمئات الأُلوف. وهذا فضلاً عن هجرة مليونين حتى عام 1990. وعندما ذهبت للتدريس بالولايات المتحدة عام 1992 عرفتُ كتاب أبراهميان الأستاذ الأميركي الإيراني الأصل بعنوان Recantation (التوبة أو ما شابه)، وهو يقص فيه اعترافات قادة حزب توده (الشيوعي) على التلفزيون الإيراني عام 1985. وكانوا بعد أن يلعنوا أنفسهم مئات المرات، يرجون الإمام وقادة العدالة في نظام ولاية الفقيه أن يقتلوهم ليتخلصوا من عارهم ومن تأنيب الضمير لخيانتهم للثورة والإمام!
لماذا أذكر هذا كله اليوم؟ الأسباب كثيرة، لكنّ أهمها حدثان: مرشح الخامنئي لرئاسة الجمهورية في مواجهة حسن روحاني، في الانتخابات التي تجري بعد خمسة وأربعين يوماً. والموقف الإيراني من الكيماوي الأسدي الأخير. يرشح الخامنئي للرئاسة الشيخ رئيسي، وهو متولّي أوقاف الحضرة الرضوية بمشهد (نسبة للإمام علي الرضا) وهي بعشرات المليارات، وكان فيما مضى نائباً للمدعي العام أواخر الثمانينات، حيث أسهم بشكلٍ مباشر في الحكم بالإعدام على مئاتٍ من المعارضين في إجراءاتٍ سريعة. إنّ أهمَّ ميزات رئيسي (الذي ليست له خبرة سياسية) أنه تلميذٌ لخامنئي، وهو شديد الطاعة له ومأمون على الأسرار، وإلاّ لما ولاّه مزار الرضا بمشهد وأوقافه الهائلة الثراء. والتحدي هنا لا يتمثل فيمن يحصل على منصب الرئاسة فقط؛ بل لأنّ روحاني الرئيس الحالي هو مرشح الإجماع لدى الإصلاحيين، وإذا فاز في دورة ثانية، فقد يصبح المرشح الأول لخلافة الخامنئي المريض (!). كانت شخصية الخميني جبارة، وكان يتصرف دون أن يخشى ردود الأفعال. لكنه ما اضطر إلى ما اضطر إليه الخامنئي. ففي انتخابات الرئاسة لعام 2009 حصل تزويرٌ لصالح محمود أحمدي نجاد فقامت «الثورة الخضراء» الشهيرة، وما يزال المرشحان ضد نجاد آنذاك رهن السجن أو الإقامة الجبرية. أما في هذه المرة فإنّ الخامنئي محرجٌ إن فاز روحاني على مرشحه، ومحرجٌ إن فاز مرشحه وشاعت الاتهامات بالتزوير! لماذا يتصرف الخامنئي للمرة الألف أو الألفين بهذه الطريقة الانتحارية؟ أو الشديدة الشخصانية؟ وهل لو خلفه خاتمي أو روحاني ستخرب الدنيا أو الجمهورية؟ فهؤلاء جميعاً كانوا عندما حصلت الثورة شباناً صغاراً وقد تربَّوا في ظل حكم ولاية الفقيه، واكتسبوا خبراتٍ كبرى في السياسة والإدارة. وما خالفوا «الإمام القائد» في كبير أمرٍ أو سياسة. لكنها سياسات رجال الدين كما اعتاد عليها الإيرانيون (أو ما أمكنهم أن يعتادوا!) منذ عام 1979، وهي سياساتٌ شديدة الفردية والاستبداد والبطش، ولا فرق كبيراً أو صغيراً بينها وبين سياسات حافظ الأسد وبشار الأسد وصدام حسين والقذافي إن لم تكن أسوأ بمقاييس مدى مُراعاة الحرمات والأرواح والحريات والمصالح العامة للأمة الإيرانية من جانب علمائها المراجع!
ولنصل إلى الملف الحاضر والدائم الآخر: الملف السوري. هل يظن أو يتوهم أحد أن قصف الأطفال بالكيماوي أو بالبراميل المتفجرة، سوف يؤثر في «القلب الرحيم» للإمام الأُسطوري؟ أبداً أبداً. وهذا ليس جديداً على الإيرانيين وما قالوا عنه قبل الضربة الأميركية شيئاً لافتاً، لكنّ أنصارهم في العراق ولبنان قالوا إن الإرهابيين الذين أعلنوا عن ذلك كاذبون. إنما بعد الضربة الأميركية سارع الخامنئي نفسه إلى التهديد بمعاقبة الأميركان! الطريف هذه المرة أنّ روحاني الذي استنكر الهجوم الأميركي طبعاً قال إن قذف الكيماوي «خطأ» وينبغي ألا يتكرر. هل يظن القراء أنّ ضميره تحرك لذلك أو تأثر للخروج على القانون الدولي والإنساني والإسلامي؟ لو كان الأمر كذلك، لحصل قبل ثلاث أو أربع سنوات كان خلالها صامتاً صمتاً مطبقاً، أما وزير خارجيته الظريف فكان يقول إن الرئيس أو وزير الخارجية لا يستطيعان التدخل لأن الملف يستأثر به الخامنئي! وما سمعتُ رجل دينٍ من «آيات الله» الكبار في إيران أو العراق أو لبنان أو الهند أو بريطانيا يستنكر ذبح الشعب السوري، وبالطبع فإنّ هذا «الصمت» عن استنكار المجزرة ما كان لأنّ الشعب السوري دمّر أو نوى تدمير مزارات أهل البيت، بل بسبب «صدق» بشار الأسد في نُصرة الثورة والوفاء لإمام مثل حسن نصر الله (!) أما الكيماوي فقد صار خطأ (صغيراً طبعاً!) عند روحاني لأنه يريد التمايز عن القائد بسبب ترشيحه أحداً ضدَّه، وإظهاراً خفِراً للميل للولايات المتحدة!
في عام 1987، وكان الخامنئي قد نُصِّب خليفة للخميني بعد عزل منتظري عن الخلافة، انتقد الخامنئي أحد تصرفات الحكومة الإيرانية (التي كان يرأسها مير حسين موسوي الموقوف منذ عام 2009 لتجرئه على الترشح ضد مرشح الإمام القائد!)، قائلاً إنه يتعارض مع أحكام الدين، فسارع الخميني إلى الرد عليه قائلاً إنه لا يجوز إضعاف الحكومة بانتقادها علناً وإن تصرفت بما يخالف الشرع، لأنها إن سقطت تعرضت البلاد والدين للخطر، أما الدين فالله ناصره ولا خطر عليه، وإن خولفت بعض أحكامه من جانب حكومة الإمام!
في آخر عاشوراء انزعج نصر الله من التطبير وضرب الصدور كالعادة في النبطية، فقال في خطاب علني: «بدلاً من ضرب الصدور اذهبوا لقتال التفكيريين والإرهابيين في سوريا»!
الولي الفقيه يضرب بسيفين: سيف الدين، وسيف السلطان. فإلى متى يصبر الإيرانيون وكل الذين يضطهدهم الخامنئي وتقتلهم وتهجِّرهم ميليشياته وحرسه الثوري؟!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة