الحقيقة في غيبوبة

الحقيقة في غيبوبة

الأربعاء - 16 رجب 1438 هـ - 12 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14015]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
قبل أيام، صدمتني «تايم» الأميركية (عدد 3-4-2017) إذ زعق غلافها بالسؤال: «هل ماتت الحقيقة»؟ اتشح الغلاف بالأسود، لم يفسح المصمم المجال لصورة أو رسم، فاحتل عنوانٌ أحمر كامل الصفحة، والقصد واضح: لون الدم يرمز لاغتيال الحقيقة. أعترف أن رد الفعل الأولي من جانبي كان همهمة تجيب بنعم، لقد ماتت منذ زمن سحيق. لكنني، بعد تفكّر وإعادة نظر، أعدت نظم إجابتي: كلا، مستحيل أن تموت الحقيقة، لأن موتها يعني، ببساطة، الفناء، الأرجح أنها في حالة غيبوبة لكثرة ما يُهال عليها من الزيف. سيدة أسبوعيات العالم الصادرة بالإنجليزية، ليس يضاهي جديتها، في تقديري، سوى دقة «الإيكونومست» اللندنية، قدمت لتحقيقها بالقول إن أجيالاً من أطفال أميركا لُقِنت حكاية مشكوكا في صحتها تزعم أن الطفل جورج واشنطن أقر ذات يوم لوالده بذنب أنه اجتث شجرة كرز من حديقة البيت. مقصد القصة هنا، وفق «تايم»، هو جواز أن تعتمد الثقافة السائدة حتى الخرافة، لأجل تعليم الطفل أهمية مَثلٍ أعلى يتمثل بقول الصدق. ليس المجال هنا للدخول في جدال مع منطق «تايم». إنما من حقائق زمن ثورة الاتصالات تدفق المعلومات بكمٍ هائل بات خبراء التحليل والتدقيق عاجزين، أمام حجمه، عن سرعة فرز الصحيح من الزائف.
عامل مهم وخطير في الآن نفسه، تحدث عنه سير ماكس هيستينغز، الصحافي الكبير، في حديث تضمن إضاءات مِهنية قيّمة، أجرته رنيم حنوش، الصحافية الشابة المنتمية لجيل واعد من الصحافيات والصحافيين العرب، ونشرته «الشرق الأوسط» أول من أمس (الاثنين). مجيباً عن سؤال عن المناخ الإعلامي اليوم، وما إذا كانت الجودة تدنت مع ازدياد المطبوعات والقنوات، أشار رئيس تحرير «ديلي تلغراف» الأسبق، إلى صحافي بريطاني (تمنيت لو أسعفته الذاكرة فذكر اسمه) قائلاً إنه «كتب في عام 1968 حول تغطية الأخبار آنذاك، وقال إن هنالك كماً هائلاً من المعلومات مقابل نسبة قليلة من المعرفة. وهذه الجملة كانت صحيحة في حينها، وأكثر صحة اليوم».
مقولة ذلك الصحافي المجهول، زمنذاك، تبدو الآن كأنها كانت تستشف المستقبل. حقاً، بقدر ما أسهم تسارع تطور أدوات التواصل في تقريب المسافات بين البشر، قدر ما أسهم كذلك في التلاعب بالحقائق. ها هي دول العالم أجمع، تقريبا، ومؤسساته كافة، تعاني أمام انتشار معلومات تضلل الجمهور المتلقي بلمح البرق. ربما، لولا تزايد سرعة نشر ما يضلل الناس خلال العقد الأخير، لما أمكن لمجموعات ضلال الإرهاب وسفك الدماء أن تربح مواقع عدة على أكثر من أرض، ثم تمد ذراع الشر لقتل أناس أبرياء، إن في الجوامع والكنائس أو أسواق وشوارع نيس، لندن، برلين، استوكهولم، وغيرها. صحيح أن الشر، كما الخير، موجود مذ بدأ الوجود، لكن المُفترض أن يمضي مجتمع البشر نحو الأفضل لا أن يرجع للخلف. لقد بات واضحاً أن هدف مَن اخترع «فرانكشتاين المسلم»، وأعطاه اسم «داعش»، ومن قبل «القاعدة»، الحاضنة الأساس، هو تحديداً تحقيق الرجوع بالعالم العربي، وامتداده الإسلامي، قروناً للوراء. لا ضرر من الإقرار أن هذا الشر نجح، حتى الآن، فضرب وأدمى حيث شاء. إنما الضرر في غض النظر عن أسباب النجاح. ولأن الحقيقة النقية بالحق، نقاء الثوب الأبيض من أي دنس، عصية على الموت، سوف تَطهُر الأرض ذات يوم قريب، مهما بدا بعيداً، من «فرانكشتاين» المنتسب زوراً ليس فقط للإسلام، بل للإنسانية جمعاء.
كما استشف صحافي سير ماكس هيستينغز تأثير التدفق الهائل للمعلومات مقابل ندرة المعرفة، على مستقبل الحقيقة، في العام ذاته (1968) صدع الشاعر اللبناني العملاق جورج جرداق (1933 - 2014) برائعته «هذه ليلتي»، وضمّنها البيت القائل:
وديارٌ كانت قديماً ديارا
سترانا كما نراها قِفارا
هذا شعر يبدو الآن كأنه استشعر المستقبل هو أيضاً، نظمه شاعر مسيحي وضع مجلد «الإمام علي.. صوت العدالة والإنسانية» في خمسة أجزاء، بيعت منها خمسة ملايين نسخة، بالعربية والفارسية والأردية، فهل يعلم جهلاء إرهاب قتل أبرياء عزل من أهل الكتاب قامة مبدع مثل جورج جُرداق وغيره كثيرين؟ كلا، بالطبع. إذنْ، ما قفار هذا الزمن في خضرة الأرض، بل هو في تصّحر قلوب أعماها الضلال حد التحجر، فعجزت عن حب الآخر واحترامه، ديناً وشِرعةً ومنهاجاً وبشراً، وقد كان هذا أحد أهم عوامل ازدهار العرب والمسلمين طوال ماض ليس ببعيد، وإذا أضاعوه اليوم، أضاعوا المستقبل فتضيع معه الديار.

التعليقات

ابراهيم بن عمر
البلد: 
دانمارك
12/04/2017 - 09:59

للحقيقة خلال خبرتي المتواضع في الحياة وما بين الصحف خلال الخمسين سنة او اكثر تبين لي ان الصهيوامريكا بعد ان ورثت بريطانيا العالم لامريكا بداءت المؤامرات على الشرق من اجل وضع اسراءيل في قلب العالم العربي لتخريب الاسلام وتشويه صورته خوفا من انتشاره المحتوم الذي وعد الله بنشره بقوله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا 0 وقوله تعالى ان الدين عند الله الاسلام 0ولا يجب ان ننسى ول تشمبرلن حين حمل القران وقال يجب ان نبعد المسلمين عن هذا فقال احد النواب هل نمزقه قال لا ولكن لنبعده عنهم 0وهذا ما يحاولون فعله ولكن لن ينجحوا مهما فعلوا لاءن الله تكفل بحفظه وسينتشر الاسلام في جميع الانحاء بعز عزيز او بذل ذليل كما وعد رب العباد 0

محمود ديب
البلد: 
فلسطين
12/04/2017 - 12:17

عزيزي الكاتب تخيلت أن الحقيقة ماتت للوهلة الاولى كما نعتقد جميعا في هذه الحياة نتيجة للمتغيرات وما نشاهده من تناقض شديد في الافكار والمعتقدات ولكن عدت الى جادة الصواب فالحقيقة موجودة بوجود الحياة وستموت بفناء البشر ولكن رأيى ان الحقيقة مسالة نسبيه فهي تختلف من شخص الى آخر ومن فريق الى آخر فالكل يعتقد أن الحقيقة ملكه فقط ويحرم وجودها لدى الغير أو أن غالبيتها عنده والقليل لدى الغير ولعدم خبرتنا وتأخرنا عن العالم أصبح إستخدام الحقيقة دعما ضدنا ولا نستطيع استخدامها للدفاع عن أنفسنا

كوثر محمد
البلد: 
غزة
12/04/2017 - 19:30

الحقيقة الماثلة الان فشل العالم أجمع في محاربة الفكر الضلالي الذي يبعد الاجيال عن القيم الانسانيه التي دعت لها كل الاديان السماويه والحقيقة القوية في وعي من خبرته الحياة هي القدرة على إختيار التحدي دربا ونهجا حيث نتحدى العجز والترهل وآلام التمزق المفجعة جراء ما يحدث للبشر في كل مكان ومقاربة بسيطة للتدفق الهائل للمعلومات مقابل ندرة المعرفة قالت العرب قديما كلما إتسعت العبارة ضاقت المعاني وكما قال الكاتب الحقيقة النقية بالحق عصية على الموت

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر