صحافيون ورؤساء

صحافيون ورؤساء

الخميس - 11 جمادى الآخرة 1438 هـ - 09 مارس 2017 مـ رقم العدد [13981]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
آخر القادمين من الصحافة إلى السياسة، وزير خارجية بريطانيا، بوريس جونسون. في الظاهر، المهنتان تتشابهان، وأحياناً، تبدو الصحافة مقدمة طبيعية للعمل السياسي، كما في حال ونستون تشرشل، الذي غطى الحروب مراسلاً قبل أن يخوضها رئيساً للوزراء. لكن ليس بالضرورة أن تقدم الصحافة دائماً أفضل من عندها أو أن يكون الصحافي الجيد دائماً سياسياً جيداً. بعض الأمثلة مريعة. الدوتشي بينيتو موسوليني كان صحافياً بارعاً، لكن ما أن وصل إلى الحكم، حتى أصبح ديكتاتوراً يجر بلاده إلى الحرب كما لو أنه يدعوها إلى العشاء. حوَّل إيطاليا إلى بلد استعماري سيئ الصيت، وأغرقها في أحلام أكبر منها، وانتهى مشنوقاً خلال هربه إلى سويسرا، فيما انتهت هي ذليلة ومهزومة.
جوزيف موبوتو، صاحب عصا الماريشالية الشهيرة في الكونغو، كان أيضا صحافياً جيداً بمستوى بلاده في تلك الأيام. كما كان رقيباً في الجيش أيام البلجيكيين. لكن الصحافي تحول إلى «مخبر» عند المستعمرين، وما لبث، كعسكري، أن أطاح رئيس الجمهورية، وأصبح هو، الزعيم، المواطن الأول، أي الدولة، بطل الحرية، والقائد الذي تؤيده أرواح الأسلاف. ثم صار له كتاب يجمع أقواله، أخضر الغلاف. واحزر ماذا أيضاً؟ كان ينام في الثكنة العسكرية في العاصمة! ثم قرر أن يحول قريته إلى عاصمة. وفي أوقات الفراغ، كان يكتب الافتتاحيات بتوقيع مستعار: القائد! مجرد مشابهات.
جاء شارل حلو إلى الرئاسة اللبنانية من عمل طويل في الصحف الصادرة بالفرنسية، أولاً في حلب، ومن ثم في بيروت. لم يكن أهم الصحافيين، بل كان من أكثرهم رقياً وثقافة ولماحة. وبسبب سعة الثقافة والمعرفة، كان كثير التردد في اتخاذ القرارات. والبعض قال كثير التخوف. وكان همه، كما أعلن فيما بعد، أن ينهي عهده قبل أن ينفجر لبنان في حربه الأهلية. وبسبب ذلك، كان أول رئيس يتنازل عن سيادة الدولة فيما عرف بـ«اتفاق القاهرة» مع الثورة الفلسطينية. وهو اتفاق تهرب من توقيعه رئيس وزرائه رشيد كرامي، ورئيس أركان الجيش، الدرزي يوسف شميط، ومدير عام الخارجية، نجيب صدقة.
بعد خروجه من القصر، عاد إلى كتابة مقال يومي في صحيفة «الأوريون لوجور»، يعبر فيه، بأناقة أدبية دائمة، عن مخاوف رجل مجبول بالتاريخ، ولذلك، قليل الثقة بالبشر. وأمضى سنواته الأخيرة وحيداً إلاّ من كتبه. الآلاف منها. ولم يكن يحب العزلة، لكنها قدر من يصبح «سابقاً» في لبنان. بالأحرى، في العالم.

التعليقات

عبد الحافظ الحوارات
09/03/2017 - 08:18

لن يكون معزولا ،ولا وحيدا ، من يقرأ له الكثيرون ، بل ويترقّبون الدرر التي ينثرها كل صباح .

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
09/03/2017 - 10:11

هناك دول في هذا العالم تتمنى لو أن لديها من يمكن أن تدعوه "سابقاً".

مسعود كمال سامر
البلد: 
ليبيا
09/03/2017 - 18:19

الصحفي راس ماله كلام( حكي ) لدلك هو ينتقد من في السلطه و يعطيه النصائح لانه بعيد عن المطبخ و كلامه لن يتير علية معارضوه و لن يشعل حرب و لن يدمر اقتصادا و لن يحرك فتنة اما ادا تولى السلطه و اكتسف ان المراقب ليس كالمشارك ضاع واصبح اما فاشل او دكتاتورا

عدنان قاقون
البلد: 
الكويت
11/03/2017 - 04:28

الزميل الاستاذ
استمتع بنسمات الثقافة الجوالة التي تنثرها مع كل صباح .
اسمح لي ان اسأل باستغراب :
عندما اشرت الى الرئيس الحلو مبررا تحاشي الحرب عام 1969 ، ذكرت عدة اسماء وتعمدت الحاق صفة الدين برئيس الاركان فقط ، ولم تقل السني فلان او الماروني فلان بل في العبارة ذاتها ذكرات اسماء ومناصب ولم تذكر الا طائفة رئيس الاركان فقط .
نعتبرك مرجعا ، فهل من افادة ؟
واسلم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة