احتلال آخر

احتلال آخر

الجمعة - 28 جمادى الأولى 1438 هـ - 24 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13968]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
للإعلام الإسرائيلي سطوة مسلّم بها عند الفلسطينيين على مختلف اجتهاداتهم وانتماءاتهم، ولا أخال إعلامًا فلسطينيًا أو عربيًا أو عالميًا، يوازي الإعلام الإسرائيلي في التأثير وفرض مواضيع النقاش.
وإذا ما رغب فلسطيني في الاطلاع على مزيد من المعلومات والتحليلات، فما لا يجده في إعلامه يجده في إعلام إسرائيل، وإذا ما راجعت الصحافة الفلسطينية، فإنك تجد ترجمات المقالات العبرية تحتل مكانة مميزة، بل هي الأكثر قراءة وتداولاً بين الفلسطينيين، وإذا ما قررت إسرائيل جذب اهتمام الفلسطينيين نحو قضايا داخلية، فأكثر من قناة تلفزيونية تتولى هذا الأمر، فلديها مخزون من المعلومات ما يوفر حين إذاعته انشدادًا شعبيًا لما يقال، وغالبًا ما يُصدّق ويُبنى عليه، وحتى أبسط أشكال الخلافات الداخلية بين فصيل وفصيل، وبين الفصيل الواحد، فله مكان الصدارة في الأخبار والتحليلات، حتى أنك تلمس الصدى فيما يتناقله الفلسطينيون في صالوناتهم ومنتدياتهم، كأنّ ما يقدمه الإعلام الإسرائيلي هو الوقود اليومي للحوار على كل مستوياته.
وحين تفشّت ظاهرة الإعلام الإلكتروني، فتحت إسرائيل قنوات اتصال كثيرة مع المواطنين الفلسطينيين مباشرة، حتى أنّ موقع الإدارة المدنية يطلب من متابعيه، وهم كثر على أي حال، أن يوافوه بمعلومات عن حياتهم، وأن لا يترددوا في طلب خدمات تبدأ بتصريح دخول إلى إسرائيل، ولا تنتهي عند إقامة منطقة صناعية.
الإعلام الإسرائيلي ليس عبقريًا، ولا صاحب عصا سحرية، وسر سطوته يكمن في الفراغات القاتلة التي يحدثها غالبًا ضعف الإعلام المواجه له، والاقتصاد غير المبرر في تقديم المعلومات للمواطنين، فيما يخص حياتهم ويلامس اهتماماتهم، فأمام الإعلام الإسرائيلي أبواب دخول مفتوحة على مصاريعها، ولا أغالي لو اعتبرت ذلك احتلالاً أعمق وأقوى تأثيرًا من الاحتلال العسكري وحتى الاستيطاني، بكل ما لديهما من ثقل وقدرة على إلحاق الأذى بآدمية الفلسطينيين، والحيز الضيق للحياة العادية في زمن الاحتلال، ذلك أن الاحتلال العسكري المتجسد بالدبابات والرشاشات والحواجز والمحاكم والسجون، وجد له الفلسطينيون علاجًا هو الرفض والمقاومة، ومن هذه الزاوية فإن الاحتلال المباشر العسكري والاستيطاني يفرض على الفلسطينيين التوحد، أمّا احتلال الوعي والتفكير وفرض أجندات الحوار الداخلي فهذا هو الخطر بعينه، وحتى الآن ورغم مرور عقود على الاحتلال، ورغم تفاقم أذاه على الفلسطينيين وحياتهم وحتى أحلامهم، فإن الجهد الذي ينبغي أن يبذل لمواجهة الاحتلال الأعمق يبدو ضئيلاً ومشتتًا وغير فعّال، مع أن الطريق للنجاح في ذلك واضح المعالم ويكاد يكون من البديهيات، فلماذا لا يقدم الإعلام الفلسطيني المعلومات عن السلبي بحجمه ووصفات علاجه، قبل أن يلتقطه الإسرائيلي ليضعه كما يريد وبأحجام يختارها في أجنداته ووسائل تأثيره على الوعي الفلسطيني، فمن يمتلك المعلومة الصحيحة يمتلك بداهة التحليل والخلاصات الصحيحة.
كإعلامي أشعر بالغيرة، وربما أقول بالخجل من هذه الحقيقة وضعف توجهنا في معالجتها. في زمن الإعلام المفتوح وسهولة الوصول إلى منابره المؤثرة ينبغي أن لا يكون ذلك معضلة بالنسبة لنا، ولكني أرى المعضلة في التستر والتكتم والخجل من الخطأ، فما دامت هذه العناصر تتحكم في إعلامنا، فستظل أبوابنا مشرعة أمام الإعلام الآخر الذي أصفه بكل موضوعية بالاحتلال الأعمق.

التعليقات

منصور حنا
البلد: 
كندا
24/02/2017 - 06:51

ليس الاعلام الفلسطيني وحده متخلفا بالقياس إلى الإعلام الإسرائيلي الذي تعتبره أنت جزءا من الإعلام العالمي بل إن الإعلام العربي كله متخلف في هذا المجال ولو تأملت ما يرد في الصحافة العربية بأنواعها السمعية أو البصرية أو المقروءة لوجدتها في معظمها، نقلا عن أو ترجمات عن وكالات إعلام أجنبية، والشيء نفسه ينسحب على الإعلام الالكتروني. إن البحث عن الحقيقة والمعلومة سواء في فلسطين أو في الدول العربية الأحرى لا يمكن الوصول إليها من خلال الاعلام العربي من دون الرجوع إلى المحطات التلفزيونية والإذاعية والالكترونية الأجنبية. وجميعنا يتذكر إذاعة "صوت العرب" ومعلقها أحمد سعيد، حين كان الناس في بادئ الأمر يصدقون أكاذيب الانتصارات العربية على إسرائيل، ولكن سرعان ما كانوا يتوجهون إلى إذاعة لندن لمعرفة الحقيقة. احتلال؟ نعم

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
24/02/2017 - 11:06

استاذ نبيل عمرو
لقد اسفت اشد الاسف وشعرت بمرارة بعد ان قرأت مقالك هذا الذى يفصح بصراحة نادرة عن تقصير الاعلام الفلسطينى فى امداد المواطن الفلسطينى بالمعلومات والاخبار الصادقة التى يلمسها على ارض الواقع وبمقارنة ما ينشره وما يبثه الاعلام الفلسطينى بما ينشره ويبثه الاعلام الاسرائيلى يكتشف الحقيقة التى تعبر عما يلمسه بنفسه وهى ان الاعلام الفلسطينى يضلل المواطن بينما الاعلام الاسرائيلى ينقل اليه المعلومات والاخبار الصادقة فيفقد المواطن الفلسطينى الثقة فى الاعلام الفلسطينى ويستقى معلوماته واخباره من الاعلام الاسرائيلى , وهذه كارثة الكوارث واخطر انواع الحروب ان يسيطر الاعلام الاسرائيلى على عقول الفلسطينيين وهذا هو الاحتلال الفكرى , وما يحدث اليوم يجعلنى ارجع بالذاكرة الى عام 1964 وقت ان زرت غزة مع بعض الزملاء فى رحلة نظمتها لنا الشركة التى كنت

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
24/02/2017 - 11:28

يتابع
2- اعمل بها واثناء تجولنا فى المحلات التجارية هناك كنا نتحدث مع العاملين فيها عن احوالهم فكانوا يقولون لنا " نحن عايشبن مبسوطين مع الاسرائيليين انتم ماشانكم بنا يا مصريين " وقد انتابنى وقتها شعور بالاسف وبالندم فى نفس الوقت نظرا لاننى اعلم مدى الجهد الذى تبذله الحكومة المصرية من اجل الفلسطينيين وقضيتهم وكيف ضحت بابنائها من اجل فلسطين واحتضنتهم فى مدارسها وجامعاتها لتعليمهم وقررت لهم امتيازات لم تقررها لابنائها من المصريين , وهذا يجعلنى فى حيرة من موقف الاخوة الفلسطينيين تجاه مصر وموقفهم تجاه اسرائيل , وهل هؤلاء يمثلون الشعب الفلسطينى ؟ لاشك ان هذا المقال يكشف عن ان الفلسطينيين يخضعون لسيطرة الاعلام الاسرائيلى عليهم سيطرة كاملة وان الجهود المضتية التى تبذلها مصر وغيرها من الدول العربية من اجل انشاء دولة فلسطين المستقلة تضيع كلها هباء

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة