سباحة عكس التيار

سباحة عكس التيار

الأربعاء - 5 جمادى الأولى 1438 هـ - 01 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13945]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
مقولة ترددت منذ أزمان بعيدة، ولم تزل. لكن ملل المرء من تكرار سماع قول ما مرات عدة، أو الاطلاع عليه هنا وهناك، لن يقلل شأن القول ذاته، ولن ينفي اضطرار اللجوء إليه، عند الحاجة، بل الأرجح أن العكس صحيح، فكم من نفس تشعر بارتياح لمجرد استحضار بيت شِعر يقال إن الدهر أكل عليه وشرب، لكنه لم يصدأ ولم يَشِبْ، بل يتنفس مع أرواح بعض البشر، كأنه قُرِض يوم أمس. كذلك هو قِدَم القول الشائع، والمنبئ بخطر السباحة عكس التيار، عِوَض العوم الأسهل مع عوام الناس. الأسطر التالية قد تبدو لكثيرين تغريدًا خارج السرب، محاولة للسباحة بين أمواج التيار المعاكس. قبل الولوج للتفاصيل، لفتني أن ما يشبه الهيجان عبر العالم ضد قرار الرئيس دونالد ترمب منع رعايا سبع دول من دخول أميركا، لم يمنع بريطانيا من الاهتمام برحيل فنان مبدع هو الممثل سير جون هيرت. «صاندي تايمز» أفردت له صورة صفحتها الأولى مع العنوان التالي: «رجل متعدد الشخصيات». ومن قبل، كذلك كان سير لورانس أوليفييه، ورونالد ريغان، ثم كذلك هو أيضًا دونالد ترمب، ألم يلج عالم السياسة من دنيا «بزنس» التلفزيون ومسابقات ملكة جمال الكون؟ بلى.
فرق كبير بين زخم اعتراض عدد من كبار ساسة أميركا، على ضفتي الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ومعهم حيتان مؤسساتها الاقتصادية، مثل «مايكروسوفت»، أو «غوغل»، وغيرهما، على قرار الرئيس ترمب، وبين احتجاج الآخرين. الحالة الأولى تعبّر عن وضع صحي داخل أميركا. الثانية تشكل نوعًا من التدخل السافر في شأن أميركي، مع الأخذ بعين الاعتبار ما ألحق القرار من أذى بعائلات أو أفراد. واقعيًا، ليس ضروريًا أن تتفق مع منطق المنع كي تدافع عن حق اتخاذ القرار. وبالمقابل، ليس موضوعيًا تجاهل حقيقة أن مجمل مواقف الرئيس ترمب، التي عبر عنها مرشحًا، منذ بدء مراحل الترشح الأولى، تعكس مواقف شرائح معتبرة من الشعب الأميركي، حتى لو بدت لكثيرين داخل أميركا وخارجها، تسبح في اتجاه معاكس لما اعتاده أغلب الناس.
حجم رد الفعل على قرار المنع يشكل تذكيرًا لمن بحاجة إلى تذكّر بضع حقائق غالبًا ما تُهمل، من منطلق أنها بديهيات، في مقدمها أن الأمر يتعلق بأميركا ورئيسها. شرح ذلك، باختصار، يقول إن منع دولة لرعايا غيرها من دخول أراضيها، أو حتى المرور عبرها (ترانزيت) هو قرار تتخذه دول عدة في العالم كله، إنه قرار سيادي، والمفارقة اللافتة في هذا السياق أن دولاً شمل المنع رعاياها مارست في السابق، وبعضها لا يزال يمارس منع جنسيات محددة من دخول أراضيها. أكثر من ذلك، ثمة دول كانت تمنح بعض البشر وثائق سفر تحمل اسمها، وتطلب من غيرها تسهيل مرور حامليها، ثم إنها لم تكن تجد حرجًا في أن تغضّ النظر عن احترامها، هي ذاتها، لتلك الوثائق، وتضع العائق الأمني تحديدًا، لتفسير منعها حملة وثائق سفرها من دخول أراضيها. لماذا لم يحصل من قبل، مُطلقًا، أن شهد العالم مثل هذا الهيجان إزاء قرار سيادي يتخذه رئيس دولة مُنتخب؟ ببساطة، لأنه الرئيس الأميركي، ولأن الدولة هي الولايات المتحدة.
من الحقائق المهملة التي يذكّر بها الموقف من قرار الرئيس ترمب، أيضًا، سطوة الإعلام الجديد. السطوة في حد ذاتها ليست جديدة، بالتأكيد، لكنها بلغت حدًا غير مسبوق، ثم هي لا تزال في صعود، ومن لم يزل بحاجة لدليل مقنع على تأثير ثورة الاتصالات عبر كل القارات، يكفيه تأمل كيف يجري تجييش ردود الفعل عبر العالم مع قرار، أو ضد آخر، ولو بالتضخيم أو التزوير أحيانا، كما لاحظت أمس أن صحيفة بريطانية محترمة نشرت مقالا لكاتب زعم فيه أن عقيدة ترمب هي «الحرب على الإسلام»، وهذا كلام غير دقيق على الإطلاق. يبقى التذكير بما يُفتَرض أنه لم يُنس بعد، وخلاصته أن دونالد ترمب ليس سياسيًا تقليديًا، كيف إذن يُتوقع منه السباحة في بحور السياسة وفق المُعتاد؟ على العكس من ذلك، ربما يغامر بغوص أعمق في مزيد من التناقضات، هل سيفاجئ الجميع بالعوم المعاكس في بحر الصين الجنوبي؟ ربما، ولعله يشعل حريقًا بزعم إطفاء حرائق. لا أحد يعرف إلى أي مدى يمكن للرئيس ترمب أن يذهب، وإذ كثر كلام المقارنة بينه وبين رونالد ريغان، فلنتذكر المقولة الأشهر للممثل والرئيس الراحل:
YOU AIN’T SEEN NOTHING YET
نعم، الأرجح أن عالم الرئيس ترمب لم ير شيئا، بعد.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
01/02/2017 - 04:48

استاذ بكر عويضه
ان مايجب ان يعلمه ترمب انه يرأ س الولايات المتحدة الاميركية لمدة محددة قد تستمر لفترة واحدة او فترتين اقصى هذه المدة ثمان سنوات وان يعلم ايضا انه لا يملك هذه الولايات لانها كأرض هى أرض الله فلا يجوز له ان يمنع احدا من دخولها طالما اتبع الاجراءات القانونية التى تسمح له بذلك , وانه كرئيس دولة لابد وان يكون اول من يحترم القوانين التى تصدرها ويلتزم بتنفيذها , فادارة دولة تخضع لقوانين وقرارات ولوائح تصدرها سلطات مختصة تختلف عن ادارة عزبة اوضيعة مملوكة لفرد من الافراد يتصرف فى ادارتها كيفما يشاء , واول خرق لقوانين وقرارات ولوائح الولايات المتحدة الاميركية يرتكبه الرئيس ترمب هو القرار الذى اتخذه بتوقيف مواطنى سبع دول اسلامية من دخول اميركا حتى ولو كان قد سبق لهم الحصول على البطاقة الخضراء التى تصدرها اميركا نفسها والتى تسمح

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
01/02/2017 - 05:09

يتابع
2- للحاصل عليها بالاقامة والعمل فى اميركا , ومن ثم فهؤلاء الحاصلين على البطاقة الخضراء قد نظموا حياتهم على الاقامة والعمل فى اميركا واصبحوا يرتبطون باعنال مختلفة فى اميركا ولهم محال اقامة هناك فكيف يمنعون فجأة من دخول اميركا لمزاولة اعمالهم هناك ومراعاة مصالحهم وشئونهم المعيشية ؟! ان هذا يعتبر تشريد لهم ولاسرهم التى اصطحبوها للعيش معهم هناك , وثانى خرق للقانون ارتكبه ترمب هو اقالته وزيرة العدل الاميركية لانها اصدرت تعليمات تقضى بعدم الالتزام بالقرار الخاطىء والمخالف للقانون الذى اصدره ترمب وذلك تصويبا منها للاوضاع الخاطئة باعتبارها وزيرة للعدل والمسئولة عن مثل هذه الخروقات القانونية واعتقد ان الوزيرة لن تقبل بقرار اقالتها الذى يعتبر تعسفا من الرئيس ترنب فى استعمال حقه قانونا , وكنت اتمنى من ترمب ان يشكر وزيرة العدل التى انقذت الموقف

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
01/02/2017 - 05:28

يتابع
3- بتصحيحها للخطأ الذى ارتكبه حفاظا لماء وجهه الا انه للاسف الشديد ارتكب خطأ جسيم باقالته للوزيرة الامر الذى يعنى اصراره على الاستمرار فى ارتكاب المزيد من الاخطاء , وهذا يجعلنى اشك فى سلامة القرارات التى يصدرها ترمب طالما انه يضرب بالقوانين عرض الحائط منذ البداية فهذه تصرفات لا تبشر بالخير وانما ستؤدى الى تصادمات داخل اميركا واخرى خارجية مع باقى دول العالم اذ ان منع مواطنى سبع دول اسلامية من دخول اميركا فضلا عن مخالفته للقوانين فانه سيؤدى حتما الى تطبيق هذه الدول مبدأ المعاملة بالمثل على مواطنى اميركا ذاتها وقد يتطرق الامر الى ابعد من ذلك فتقوم هذه الدول بقطع علاقاتها باميركا واعتقد ان هذا يضر بمصالحها لدى هذه الدول واعتقد ان هذا لم يكن فى حسبان ترمب وهو يصدر قراره اذ كان يتعين عليه دراسة الآثار التى ستترتب على مثل هذا القرار الخاطىء

طوني شلبي
البلد: 
USA
01/02/2017 - 13:52

هناك فرق شاسع بين أن تقوم دولة بوضع شروط على وثيقة سفر تصدرها من أجل مساعدة فئة من الناس وما قام به ترمب. لعل أهم فرق هو أن العمل الأول ، رغم الشروط يعتبر عمل إنساني هدفه مساعدة الضعيف، أما ما قام به ترمب فهو عمل غير إنساني هدفه إيذاء الضعيف.

الروائي خلوصي عويضه
البلد: 
فلسطين المحتلة
01/02/2017 - 14:10

الرئيس ترامب لم ولن يكون وحيد زمانه وفريد عصره ففي التاريخ البشري الحافل بالحوادث والمفاجآت نماذج مشابهة بعضها لا يخلو من طرافة وبعضها ممتلئ بخيبة التوقعات إذ تبين أن الوعود الملتهبة تصطدم بحقائق أقوى، وبمنأى عن الخوض في أبعاد قراره السيادي الأخير بمنع حاملي جنسية عدة دول دخول أمريكا فلن يستطيع أحد كائنا من كان من دهاة السياسيين وثعالبة الدبلوماسين الهرب من حقيقة رائحة العنصرية الفجة الكريهة التي تنبعث من هكذا نوع من القرارات، لكن ليس من المستبعد بل على الأرجح أنه سيعيد النظر في الآثار الإقتصادية أولاً ثم السياسية المترتبة على المضي قدما بتنفيذ وعوده الإنتخابية وأغلب الظن أنه سيفيق من غيه ونشوة زهوه لكأنه إلى الآن غير مصدق أنه بات رئيساً لدولةٍ لها مصالحها الداخلية والخارجية المترامية الأطراف والمتشابكة حدّ التعقيد.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر