حوار سعودي إيراني

حوار سعودي إيراني

الجمعة - 29 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 27 يناير 2017 مـ رقم العدد [13940]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
هل من حوار سعودي إيراني؟ السؤال تفرضه أولاً ضخامة البلدين وأدوارهما في ملفات المنطقة الملتهبة. وتفرضه ثانيًا، كثرة الأنباء والتسريبات عن حوارات جرت أو أخرى قيد الإعداد، وكلها تغذي الانطباع أن ثمة شيئًا إيرانيًا سعوديًا يجري.
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تبرع «بالكشف» عما سماه حوارًا سعوديًا إيرانيًا ناجحًا بخصوص لبنان أدى إلى إنهاء أزمة الشغور الرئاسي. من يعرف ملفات لبنان يقول إن تصريح ظريف مبالغ فيه كثيرًا، وأن أقصى ما يمكن أن تكون وفرته إيران هو عدم التدخل السلبي ضد التسوية التي أقدم عليها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري. ومن يعرف أكثر يعرف أن السعودية لم تكن حتى تاريخ 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، يوم إعلان الحريري ترشيح الجنرال ميشال عون للرئاسة، قد تدخلت سلبًا أو إيجابًا في مسار التسوية. وما أكدته السعودية، وهو ما تؤكده دائمًا، هو التزامها دعم خيار اللبنانيين والحريري أيًا يكن، باعتبار هذا الخيار بحيثياته ونتائجه مسؤولية لبنانية يدركها لبنان.
في أعقاب تصريح ظريف، كتب عبد الرحمن الراشد في هذه الصحيفة، نافيًا بلباقة حصول أي حوار، والكاتب والمنبر ليسا تفصيلاً بسيطًا في التعليق على تصريح ظريف.
بعد ذلك طفا على سطح التداول خبر الدعوة السعودية لإيران للتباحث في شؤون موسم الحج المقبل، وهي بالمناسبة رسالة بروتوكولية يوجهها وزير الحج السعودي كل عام لوزارات الخارجية أو شؤون الحج في الدول الإسلامية. الجديد في الدعوة أن إيران قبلتها بعدما غابت عن لقاءات التنسيق في الموسم الماضي، نتيجة استمرارها في لعبة التعبئة على خلفية حادثة منى قبل سنتين، التي قضى فيها حجاج إيرانيون مع آخرين من جنسيات مختلفة. تراجعت إيران عن معظم المزاعم حول حادثة منى، ومنها أن الحادث منظم لكنها في العمق لا تزال متمسكة بمنازعة السعودية على حقها السيادي في إدارة مناسك الحج، رغم الإجماع الإسلامي على رفض رهانات إيران.
قبل ذلك ومنذ نحو عام تقريبًا، يتبرع العراق باتصالات وبنقل رسائل ومواقف وانطباعات بين السعودية وإيران، معظمها عبر وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، من دون أن يفضي أي منها إلى فتح قناة حوار مباشرة جدية بين الطرفين، نتيجة تمسك السعودية بشروط تراجع إيران عن اعتداءاتها على الأمن القومي الخليجي وإمعان إيران في المقابل في لعب هذه الأدوار وتزخيمها!
آخر الاتصالات رسالة نقلها وزير الخارجية الكويتي صباح الخالد الحمد الصباح، أول من أمس، إلى طهران تتضمن رؤية خليجية لحوار سياسي مع إيران مشروط بالشروط السابقة نفسها. وهي زيارة كانت تقررت في ختام أعمال قمة دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث «تركت القمة للكويت، أن تقوم بالرد قريبًا على رسالة تسلمتها من إيران في شأن العلاقة بينها ودول الخليج، على أن تخاطب إيران نيابة عن دول المجلس».
من المهم التنبه إلى أن زيارة الصباح تأتي بعد إعلان سلطنة عُمان انضمامها إلى التحالف الإسلامي العسكري بقيادة السعودية لمحاربة الإرهاب، مع ما يعنيه ذلك من إعادة ترتيب جدية لمجلس التعاون الخليجي وتماسك مكوناته، ومع ما يعنيه من تفهم عُماني لافت لقراءة السعودية لدور إيران في ملف الإرهاب!
بين اللقاءات الافتراضية، والوساطات الفردية والرسائل المباشرة ثابت واحد؛ لن يتقدم أي حوار مع إيران ما لم تكف عن التصرف كثورة عابرة للحدود وتبدأ بالتعامل مع نفسها والآخرين كدولة مسؤولة ضمن نظام الدول وعلاقاتها.
في مقابلة نشرت له مطلع العام في مجلة «فورين أفيرز» يقطع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشك باليقين حول أي حوار مباشر محتمل مع إيران. يقول: «لا جدوى من الحوار مع قوة (لم يقل دولة) ملتزمة بتصدير عقيدتها الخاصة، متورطة في الإرهاب، وتنتهك سيادة دول أخرى». ويضيف ولي ولي العهد بشكل حاسم: «ما لم تغير طهران رؤيتها وسلوكها فإن أي تقارب قبل أوانه معها سيرتب خسائر كبيرة على السعودية».
هل من الممكن أن تغير طهران قريبًا رؤيتها وسلوكها؟
خلال استقباله وزير خارجية الكويت قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن ما تقوم به إيران هو جهود «لمساعدة شعوب ودول المنطقة في مكافحة الإرهاب». ما لا تريد أن تفهمه إيران، أو ما لا تجيد فهمه بسبب العمى الآيديولوجي الذي يبدو أنه يقود حركتها السياسية، أن الدولة تتعامل مع دولة وليس مع «شعوب» دول أخرى، وأن علاقتها «بالشعوب» لا تمر إليهم مباشرة، بل من خلال دول ومؤسسات، وهي محكومة بنظم وقوانين تقررها الدول نفسها وتضمنها مواثيق دولية متوافق عليها.
أما «الشعوب» التي تدعمها إيران فهي دويلات قائمة بذاتها، بسلاحها وإعلامها وموازناتها وسياستها الخارجية والدفاعية، وخياراتها القومية والكونية. هذه ليست شعوبًا. هذه عصابات مسلحة موصوفة ترفع علنًا شعار إسقاط النظام في بعض دول الخليج، من حسن نصر الله في بيروت إلى أوس الخفاجي في العراق مرورًا بعبد الملك الحوثي في اليمن... وغيرهم كثير ممن لا نظير سعوديًا لهم!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة