نعم... ما بعد حلب هو رحيل الأسد وعودة الروس إلى بلادهم!

نعم... ما بعد حلب هو رحيل الأسد وعودة الروس إلى بلادهم!

الخميس - 16 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 15 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13897]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق

بقيت المواجهات بين نظام بشار الأسد ومعه مؤازروه وأعوانه منذ انفجار انتفاضة درعا في عام 2011 تتخذ طابع الكرِّ والفرِّ وهذا هو ما حصل في الزبداني وحمص وحماه وداريا وأيضًا في إدلب وفي حلب نفسها، حيث كانت المعارضة تستعيد إنْ ليس كل ما فقدته فبعضه، وعلى أساس أن هذه الحرب التي بقيت محتدمة على مدى نحو ستة أعوام متتالية ليست حربًا تقليدية بين جيشين عاديين وإنما هي في أغلبها حرب «غُوار»، أي حرب عصابات أو حرب فدائيين: «أضرب وأهرب»، وذلك لأن السلاح على هذا الجانب هو سلاح فردي ولأن الاحتفاظ بالأرض يتطلب غطاءً جويًا ويتطلب «متاريس» محصنة وأسلحة ثقيلة ودروعًا ودبابات متطورة ثقيلة.
وحقيقة أنه كان على المعارضة أن تتحاشى المواجهات التقليدية، وبخاصة عندما أصبح الروس العامل الرئيسي في هذه المواجهات، وكان عليها أن تتجنب الاحتفاظ بالمدن وبالأحياء ذات الكثافة السكانية لو أنها لم تضطر إلى هذه الأساليب القتالية التقليدية اضطرارًا، وذلك لأن «الخصم»، الذي هو كل هذا التحالف الذي بالإضافة إلى هذا النظام يضم الروس والإيرانيين وكل هذه الأعداد من التشكيلات المذهبية والطائفية التي وصل عددها حسب آخر التقديرات إلى ستة وستين تنظيمًا، قد اتبع سياسة الأرض المحروقة وتقصد تحويل المدن التي خارج سيطرته إلى أكوام من الحجارة والأتربة، ولأنه أيضًا قد استخدم كل الأساليب الإجرامية والوحشية لحمل أبناء الشعب السوري على مغادرة مدنهم وقراهم وركوب دروب الهجرة والرحيل.
ولهذا فقد كان لا بد من أن يحتفظ الجيش الحر ببعض المدن والبلدان والقرى تحت السيطرة المباشرة، أولاً لحماية أهل هذه المدن والبلدات والقرى من بطش النظام وأعوانه، وثانيًا للحفاظ على الحاضنة الشعبية لهذه الثورة، وثالثًا للحدِّ وبقدر الإمكان من عمليات التفريغ الديموغرافي التي اتبعت حتى في دمشق العاصمة، حيث أصبحت أحياءٌ مناطق إيرانية خالصة لا لون فيها إلا اللون الإيراني إن من الناحية المذهبية وإن من الناحية العرقية (القومية).
وهنا فإن ما تجب الإشارة إليه هو أن المعارضة بمعظم فصائلها قد اضطرت لاتباع أسلوب الحرب التقليدية في حلب عندما اتضح لها أنَّ هذه المدينة التاريخية، التي تعتبر أكبر المدن السورية، وهي كذلك، باتت مهددة بالتفريغ الديموغرافي وعلى غرار ما جرى في بعض الأحياء والمناطق الدمشقية وما جرى في حمص وحماه والزبداني وداريا، وهكذا فإنَّ ما هو في حكم المؤكد أنه لو لم تزج روسيا بكل ثقلها العسكري في هذه المواجهة لبقيت هذه المدينة «الشهباء» صامدة ولما استطاعت قوات النظام التقدم فيها ولو بمقدار خطوة واحدة.
إن هذه هي الحقيقة التي لا غيرها حقيقة، لكن ومع ذلك فإنه لا شك في أن الروس قد حققوا إنجازًا عسكريًا قد ينعكس وهو سينعكس على العملية السياسية، التي رغم كل ما أصابها من انتكاسات فإنها بقيت مستمرة ومتواصلة منذ «جنيف1» وحتى الآن، وهنا يبدو أنه قد غاب عن أذهان البعض أن ما جرى في حلب الشرقية هو مجرد معركة في حرب طاحنة كبرى، وأن سوريا كلها قد أصبحت ساحة قتال ومواجهات، وأن الخطيئة لا بل الجريمة الكبرى هي أن بشار الأسد قد حول هذه الدولة العربية إلى ميدان صراع دولي لا تقتصر المواجهات والمناورات والألاعيب فيه على الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية فقط.
قبل معركة شرق حلب هذه، كانت هناك معركة حمص ومعركة حماه ومعركة الزبداني وداريا، لكن ومع ذلك فإن القتال لا يزال مستمرًا في هذه المواقع كلها التي كان قد قيل عنها ما يقال الآن عن حلب، إذْ إنَّ ما بقيت تشهده سوريا منذ عام 2011 هو ثورة شاملة وليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين نظاميين، مما يعني أن هذه الثورة قد تخسر معركة لكنها ستنتصر في النهاية، لأن سلاحها هو الشعب السوري كله، ولأن هذا الشعب كان خسر معركة حماه في عام 1982 ولكنه لم يفقد الأمل باجتراح النصر، وهكذا فإنه عندما حانت اللحظة المناسبة في مارس (آذار) عام 2011 قد انتفض كالعنقاء التي تنتفض من بين الرماد بعد حرقها، كما تقول الأسطورة اليونانية، وتعود للتحليق في السماء مرة ثانية.
إنه بالإمكان أن ينتصر جيش على جيش آخر لكنه ليس من الصعب فقط بل من المستحيل أن ينتصر جيش على ثورة، ولذلك فإنه على الذين يشكون في هذه الحقيقة أن يتذكروا كم من المرات قد أعلن النظام في بغداد وعلى مدى عشرات الأعوام أنه قضى على الثورة الكردية لكن هذه الثورة كانت لا تلبث أن تنهض من تحت الرماد وتعود للتحليق مجددًا ومرة أخرى، وكانت النتيجة هي هذا الذي نراه الآن في شمال العراق وهي هذا الذي نراه في بغداد!!
الآن ومع أنَّ الذي حقق هذا الإنجاز الوهمي فعلاً هو القوات والجيوش والميليشيات المستعارة فإن ما غدا متداولاً في وسائل الإعلام الكونية كلها هو: ماذا بعد حلب؟ والحقيقة أن ما بعد حلب هو استمرار هذه الثورة المنتصرة لا محالة، وهو أن هذه الثورة ستجدد نفسها، وهو أيضًا أنه لا سيطرة لهذا النظام، الذي غدا متعبًا ومتهالكًا، إلا على هذه الأجزاء المتناثرة من سوريا، وهو أن الروس الذين ينخرطون مع الأميركيين حاليًا في معركة مساومات متعبة ومنهكة ستأتي لحظة ليرحلوا عن هذا البلد ويتركوه لأهله، على غرار ما فعلته موسكو عندما رحلت عن أفغانستان، حيث كان رحيل جيوشها بداية انهيار الاتحاد السوفياتي الذي ثبت أنه كان مجرد قلعة من ورق!!
إن على الذين يعقدون آمالهم على القوات الروسية المستعارة، وعلى إيران الغارقة في الإشكالات والمشاكل حتى عنقها، وعلى الشراذم الطائفية المستوردة حتى من أفغانستان وغيرها، أن يدركوا أن للدول مصالح هي التي تحدد مساراتها وسياساتها، وهكذا فإن الروس لم يأتوا إلى سوريا من أجل عيون بشار الأسد ولا لأنهم مغرمون بنظامه، بل من أجل مصالحهم، التي يخوضون من أجلها مع الأميركيين معارك سياسية أصعب كثيرًا من معارك حلب، ومصالح الروس، بالإضافة إلى قواعدهم في حميميم وطرطوس، هي أوكرانيا وجزيرة القرم وجورجيا وقواعد صواريخ الأطلسي في أوروبا الشرقية، ثم وقبل هذا كله هي حقول الغاز في شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية.
ولذلك ومرة أخرى فإنَّ ما بعد حلب هو أنَّ هذه الثورة، التي هي ثورة شعب بمعظمه، هذا إنْ ليس كله، سوف تجدد نفسها وسوف توحد صفوفها وسوف تبادر إلى هجوم معاكس يشمل مناطق سوريا كلها وبأساليب غير الأساليب التقليدية السابقة، وهو أيضًا أن هذا النظام البائس سينهار لا محالة وهو أن الروس سيرحلون عن هذا البلد العربي كما رحل الاتحاد السوفياتي عن أفغانستان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو