شاعر الأندلس أم إسبانيا؟

شاعر الأندلس أم إسبانيا؟

الخميس - 16 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 15 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13897]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

احتفينا، لزمن طويل، بشاعر «عرس الدم» فيديريكو غارسيا لوركا، على أنه «شاعر الأندلس». بحثنا عن صلة قرب معه، فوجدناها في جذوره، قريته فوينتي فاكيروس، قرب غرناطة، حديقة الأندلس. وصوّرنا نضاله من أجل إسبانيا حرة، على أنه كفاح من أجل أندلس مستقل أو عائد. ولم يكن ذلك صحيحًا. كان مزيجًا من شاعرية أهل اليسار، ومن الميل العربي إلى تجميع الأنساب، ومن الميل الطبيعي عند الجميع، إلى الاحتفاء بالبطل المظلوم، ضحية المستبد.
بمعنى ما، كان لوركا شاعرًا من الأندلس، وبكل المعاني، كان شاعر إسبانيا. اهتم الناس بمجموعة شاعرية واحدة، بسبب دراميتها، ولم ينتبهوا إلى مؤلفاته النثرية الجميلة. ولا انتبه كثيرون إلى درجاته العلمية العالية في القانون من جامعات غرناطة ومدريد وكولومبيا، حيث عمل أستاذًا محاضرًا. ولا قادتنا التفاصيل إلى أنه كان من أهم عازفي البيانو، مثل والده.
ولعل ذلك طبيعي. فالأهم في السيرة كلها أن لوركا أعدم بالرصاص بناء على أوامر السلطة الفاشية، عام 1936 بعد اندلاع الحرب الأهلية بقليل. وقد بحثت عن الأندلس في كتاباته، فوجدتها قليلة، ولو أنها أكثر عاطفية من كتاباته الأخرى عن سائر إسبانيا، كما في كتابه الجميل، «ملامح إسبانيا». لكن في هذه المجموعة الانطباعية من أسفاره في أنحاء بلاده، يشكل الترحال الأندلسي نسبة قليلة. لكنها نسبة «مركزة» إذا صح التعبير، حيث يطلق سحر الشعر في اتساع النثر، لكي يصف غرناطة وقصر الحمراء متأملاً في عمق وتأن، المدينة التي أطلق على ضاحيتها العرب اسم «البائسين»، ذلك الاسم الشاعري الحزين.
يضيع النثر في الشعر في وصف «فجر صيفي في غرناطة»: «حمائم سوداء وبيضاء تحلق في وادي دارو الأزرق والأخضر، ثم تحط على براعم الزهر الأصفر» و«من بعيد قرب شجرة أرز تسمع الأجراس المعلقة في أعناق الحملان والنفاج» و«تنحني الأزهار البرية فوق المياه وتقبل الشمس عندما ترى انعكاس صورتها عليها» و«طيور هدها الحنين تغني كما في فرقة واحدة لخيوط الفجر الحمراء».
ومن حي البائسين يشاهد قباب الحمراء، وترتفع أمامه بروج المنطقة وتمتد بساتين الأجاص (الكمثرى) و«الشوارع التاريخية الصغيرة ضيقة، وفيها سلالم حجرية متعرجة، تبين منها الجبال التي تغطيها الثلوج. بيوت متلاصقة بشدة كأنما إعصار عصرها، ثم أعادها متلاحمة. ومن كل جانب تطل ظلال الحكايات القديمة الممتعة، وأمامها نوافير مياه راقصة من الماضي». و«في الليل تكثر حكايات الأشباح الآتية من الماضي. إن خوف ورعب البائسين مليء بالخرافات. وليل البائسين طويل تسمع خلاله أنغام الغيتار المحزنة وعواء الكلاب. وربما أصوات الغجر..»..


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة