رحلة كورفو

رحلة كورفو

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

عشية الحرب العالمية الثانية، قرر الكاتب الأميركي هنري ميللر أن يلبي دعوة صديقه، الكاتب البريطاني لورانس داريل («رباعية الإسكندرية») لتمضية فترة من الوقت في ضيافته، في جزيرة كورفو. تحولت الرحلة إلى كورفو، حيث أمضى ثمانية أشهر يجول في اليونان، إلى ما يعتبره النقاد أهم كتاب وضعه ميللر، وأحد أهم كتب الأسفار وآدابها «عملاق الماروسي». غادر ميللر باريس، حيث يقيم، إلى مارسيليا بالقطار. ومنها بالباخرة إلى مرفأ برايوس، قرب أثينا. كان بين رفاق الرحلة البحرية مجموعة من الطلاب اللبنانيين والسوريين، العائدين من فرنسا، إلى بلادهم. ماذا يجمع بينهم؟ كان يجمع بينهم عام 1939 ما يجمع بينهم الآن: لا أحد منهم يريد العودة الدائمة، وجميعهم يريدون الهجرة، وكلهم الهجرة إلى أميركا. ميللر كان يكره أميركا ويمتعض من الحياة فيها، ولذا، نفى نفسه إلى باريس. ظلوا يطلبون منه أن يحدثهم عن أميركا، وظل يحاول إقناعهم بأنها غير ما يظنون، أو عكس ما يظنون. كانوا يقولون إنه لا مستقبل في ديارهم، ولا شيء غير الفقر، وكان يؤكد لهم أن لا شيء مضمونًا في أميركا.
أكملت الباخرة رحلتها إلى بيروت، واستقل ميللر باخرة إلى كورفو، حيث كان في استقباله في مرفئها المزدحم بالناس والمواشي، لورانس داريل وزوجته. وكان الزوجان يعيشان في قرية من قرى الجزيرة التي لا يصل إليها أحد. ولكن هذا تمامًا ما أراده الضيف الأميركي، الذي كان يحلم بإجازة تامة تستمر عامًا كاملاً بعد عشرين عامًا من العمل المضني.
ومن حين إلى آخر، كان يذهب إلى الوسط الرئيسي في الجزيرة الخالية، التي سوف تصبح فيما بعد، الأكثر ازدحامًا بالسياح. شاطئ جميل مليء بقطعان الغنم والماعز والفقراء، وأيضًا بالخوف. الخوف من أن حربًا عالمية قد تندلع في أي لحظة. واليونان بلد ضعيف لا يعرف في أي جانب يقف لكي يحمي نفسه. يسافر ميللر إلى أثينا من حين إلى آخر، وفيها يلتقي شاعر اليونان، كاتسمباليس، الذي سوف يسميه «عملاق الماروسي». يتحول الماروسي إلى شخصية مبهرة يدور حولها الكتاب الذي يحمل اسمه. لا أعرف في قراءتي للسِيَر انبهارًا كانبهار ميللر بتلك الشخصية شبه الخيالية من عمق المعرفة وسحر الحضور. وعندما ذهبت إلى أثينا في السبعينات، طلبت من أصدقائي عنوان المقهى الذي كان يجلس فيه الشاعر، ويلتم الناس من حوله للإصغاء إليه، خوف أن يذهب كلامه هباء في الهواء.
كتبت يومها عن المقهى في «المستقبل» الباريسية، وعن انتظار الماروسي الذي لم يأتِ. وقبل أيام تلقيت رسالة ضاعت طويلاً قبل أن تصل إليَّ: ما زال الماروسي لا يأتي. وشلتنا قد نقصت كثيرًا. البعض لم يعد يطيق المقاهي. والبعض لم يعد يطيق أثينا، ولم يعد يطيقنا أحد سوى الكراسي والكتب. هل تذكر ما رواه ميللر عن أن قصة الشعر في كورفو كانت تكلفه 3 سنتات؟ حاول أن تخمن ثمن فنجان القهوة هنا اليوم؟.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو