حكومة ترامب العسكرية

حكومة ترامب العسكرية

الاثنين - 13 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 12 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13894]

يأتي رئيس جديد إلى البيت الأبيض فوق سيل من الأنباء الكاذبة والتلاعب الإعلامي، محيطًا نفسه بعدد من الجنرالات: مستشار الشؤون الخارجية ووزير الدفاع ووزير الداخلية، وربما وزير الخارجية ومدير الاستخبارات.
لو أن هذا حدث في واحدة من دول العالم الثالث، لكانت الولايات المتحدة سارعت إلى التحذير منه، خصوصًا أنها حثت مرارًا المؤسسات العسكرية بالدول الأخرى على التنحي عن السلطة والبقاء داخل الثكنات. والمعروف للجميع أن الولايات المتحدة تدعم السيطرة المدنية على شؤون الحكم، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تتمثل مهمة المؤسسة العسكرية في توفير المشورة العسكرية، وليس صنع السياسات وممارسة الحكم.
ومع ذلك، يبدو أن هذه المبادئ لم تعد قائمة على الصعيد الداخلي. وبعد أن وجه انتقادات قاسية إلى جنرالات الجيش أثناء حملته الانتخابية، يحيط الرئيس المنتخب دونالد جيه. ترامب نفسه بهم الآن.
ولا يتعلق الأمر بتقديم مشورة عسكرية ملائمة إلى الرئيس، ذلك أن قانون غولدووتر - نيكولز الصادر عام 1986 جعل بالفعل من رئيس هيئة الأركان المشتركة، المستشار العسكري الأول للرئيس من أجل هذا الغرض. كما ينصت الرئيس بانتظام إلى وجهات نظر المسؤولين العسكريين داخل غرفة الطوارئ بالبيت الأبيض والبنتاغون.
وبقدر ما يعشق الأميركيون جنرالاتهم ويبجلونهم، فإنهم يدركون تمامًا أن السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية لا صلة لها بالمميزات الشخصية أو نمط معين من الضباط. في الواقع، الضباط قد يكونون أذكياء (ديفيد إتش. بترايوس)، أو من الشجعان (جيمس إن. ماتيس)، أو متقلبي المزاج (مايكل تي. فلين) أو يعملون بكفاءة وهدوء (جون إف. كيلي)، فليس هناك قالب واحد فحسب لجميع الجنرالات.
أما المبدأ الآخر الأكبر فيعود إلى فترة تأسيس الجمهورية: ينبغي أن يتولى المدنيون الإشراف على المؤسسة العسكرية، ويعد الرئيس القائد العام للمؤسسة العسكرية.
في الواقع، كان القلق يساور الآباء المؤسسين حيال النفوذ الذي يمكن أن تمارسه المؤسسة العسكرية حال امتلاكها سلطة مفرطة على الديمقراطية الأميركية الشابة.
ولا تزال هذه القضية قائمة في يومنا هذا، فالأمر لا يتعلق بوجود مخاطرة لوقوع انقلاب عسكري، وإنما يكمن الخطر الحقيقي فيما يمكن وصفه بـ«العسكرة المخملية» للسياسات الخارجية والوطنية الأميركية على امتداد السنوات الأربع المقبلة.
في الحقيقة، ينظر الضباط العسكريون بالفعل إلى العالم على نحو مختلف، ذلك أن تجاربهم العسكرية أفرزت بداخلهم بالضرورة ما يصفه علماء نفس في بعض الأحيان بـ«التشوه المهني»، مما يشير إلى أسلوب مشروط للنظر إلى العالم؛ منظم وهرمي واستراتيجي وعملي، ويركز بالأساس على استخدام القوة العسكرية.
بطبيعتهم، ينتمي الضباط العسكريون إلى أنماط «عملية» من الشخصيات، ذلك أن المشكلات العملية تتطلب حلولاً عملية. وبصورة أساسية، يبرع هؤلاء في تنفيذ الردع العسكري والقتال.
في المقابل، نجد أن المحللين والخبراء الاستراتيجيين المدنيين والدبلوماسيين يركزون على الحنكة السياسية: كيفية استغلال أدوات السياسة الخارجية لتحقيق الأهداف الوطنية وحماية المصالح الأميركية. كما يركزون على الاستراتيجية الأوسع نطاقًا والتفاصيل الدبلوماسية ويعمدون إلى ترك واحدة من المشكلات العويصة جانبًا، لحين إحراز تقدم على صعيد تسوية مشكلة أخرى.
المؤكد أن كلتا المجموعتين من المهارات، العسكرية والمدنية، لها أهمية كبيرة. وينبغي للرئيس وفريق العمل المعاون له التنسيق بين الاثنين. بيد أن «تنقية» جميع القرارات المرتبطة بالسياسة عبر منظور عسكري من شأنه تهديد التوازن في عملية صنع القرار الذي تستلزمه إدارة الدولة.
من ناحية أخرى، من الواضح أن ديمقراطيتنا الأقدم في مأزق، فعلى امتداد الأعوام الـ70 الماضية، أصبحت القوات المسلحة المؤسسة المهيمنة على أسلوب تفاعل الولايات المتحدة مع العالم، خصوصًا منذ 11 سبتمبر (أيلول) وما أطلق عليه الحرب العالمية ضد الإرهاب وغزو العراق وأفغانستان. والآن، يجري نشر قوات خاصة بأكثر من 80 دولة، وجرى توسيع نطاق جهاز مكافحة الإرهاب بمختلف أرجاء البلاد، في الوقت الذي تشن فيه المؤسسة العسكرية حربًا سيبيرية بالخارج.
ومثلما الماء للسمك، فإن المنظور العسكري لسياساتنا أصبح غير مرئي بالنسبة لنا. لقد أصبح من المعتاد لدينا تولي جنرالات مسؤولية إدارة المؤسسات المعنية بالسياسات الخارجية والأخرى المتعلقة بالأمن الوطني. ورغم أن المسؤولية وراء أكبر إخفاقين استراتيجيين تعرضنا لهما على امتداد الأعوام الـ15 الماضية، العراق وأفغانستان، تقع على عاتق مدنيين، تتجلى المفارقة في أن المسيرات المهنية للضباط الثلاثة الذين اختارهم ترامب حتى الآن - الجنرالات ماتيس وفلين وكيلي - مرتبطة بهذين الإخفاقين. وحال اختيار بترايوس لمنصب وزير الخارجية، سيرتفع العدد إلى أربعة.
موجز القول إنه من المهم أن يحيط الرئيس نفسه بمستشارين بدرجة وزراء من خارج المؤسسة العسكرية. إن الرئيس بحاجة إلى مثل هذا التوازن، وكذلك جميع إمكانات المؤسسات الأميركية المعنية بالسياسة الخارجية، خصوصًا أن التحديات التي سيواجهها أوسع بكثير مما يمكن للمنظور العسكري استيعابه، علاوة على أن غالبية الحلول ليست عسكرية.
في واقع الأمر، من شأن الاستعانة بعسكريين بكامل جنبات الهيكل المعني بالأمن الوطني، تعزيز التوجه القائم باتجاه عسكرة السياسات الأميركية، الأمر الذي سبق أن حذر منه الرئيس دوايت أيزنهاور. وإذا ما استعنا بكلمات عالم النفس الشهير د. أبراهام إتش. مازلو، فإنه إذا كان جميع المحيطين بالرئيس ترامب ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مطارق، فإنهم سيميلون نحو «التعامل مع كل شيء كما لو كان مسمارًا»!


* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة