الانغلاق الهوياتي والفكر المؤجج

الانغلاق الهوياتي والفكر المؤجج

الاثنين - 13 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 12 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13894]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

هناك شبه إجماع على أن الغالب على الذات العربية المسلمة اليوم أنها أصبحت في غالبيتها تميل إلى الانغلاق والانكماش. ومن غير الممكن فهم ظاهرة الانكفاء هذه في مستوى كيفية بناء الهوية اليوم خارج سياق الطروحات الفكرية التي أسست لمرحلة ما بعد الحرب الباردة والتي ساهمت في إنتاج - أو تزامنت مع - فكر العولمة. ومن ثمة، إضفاء الطابع الاحتجاجي على الهوية لدى المجتمعات العربية والإسلامية، ذلك أن البناء الرمزي للهوية يخضع بشكل من الأشكال إلى مرجعيات بناء صورة الأنا وصورة الآخر، وهي المحدّدة للنسق الذي تقوم عليه عملية الإدراك.
لقد ساعدت مخاطر العولمة الثقافية، في تكريس الانكفاء الهوياتي لدى المجتمعات الإسلامية أكثر من الانفتاح، حيث يصبح الانكفاء آلية اجتماعية من آليات تحصين الأفق الثقافي والدفاع عن الخصوصية الثقافية والدينية بالانطواء عليها أكثر. بمعنى أن استهداف العولمة الثقافية للهويات، يجعل من المقوم الديني أداة للتمايز مع الآخر والانكفاء بدل الفضول نحو الآخر دينًا وثقافة.
ومن ثمة، فإن ما يعبر عنه الأستاذ محمد سبيلا بحماية الذات الجماعية من عوامل الذوبان أو التعرية، يفرض على الهوية الجماعية في سياقات حضارية دقيقة ومهددة، خيار الانغلاق والتفاعلية السلبية وذلك دفاعًا عن الذات والهوية.
إلى جانب عامل مخاطر العولمة الثقافية، هناك مظاهر العنف الرمزي والمادي الذي تمارسه بعض الدول القوية في العالم على بعض البلدان العربية والإسلامية وهي مظاهر تبدو في ظاهرها سياسية، في حين أنها في الجوهر يطغى عليها البعد الثقافي الحضاري الخفي.
تهيمن التمثلات السلبية على عدد كبير من الشباب المسلم اليوم لصورة الغرب عموما وذلك بخصوص موقفه من الإسلام والمسلمين. وهي تمثلات تتغذى من الصراع الدموي الديني عبر التاريخ والشعور بالحيف واستعداء الآخر للإسلام. ومن ثمة يمكن الاستنتاج أن نسق الاستعداء يبدو أكثر أنساق تمثل الآخر هيمنة مقارنة بالأنساق الأخرى، لذلك فهو يفعل فعله في كيفية تركيب المجتمعات الإسلامية اليوم للهوية وفي إذكاء نبرتها الاحتجاجية وفي تحديد انكفائها بدل انفتاحها مما ينتج مواقف تجاه الغيرية غير متسامحة تقوم على استراتيجية تُراوح حسب الموقف بين الدفاع والهجوم.
من جهة أخرى، تبدو تلك اليقظة المخصوصة التي عرفتها الهوية العربية الإسلامية في المرحلة الاستعمارية حيث لعب الديني دور العامل المساعد في مقاومة المستعمر وتنمية الوعي الوطني، قد عاودت الظهور مع بروز مخاطر العولمة ومحاولات الربط بين الإسلام والإرهاب، خصوصا بعد تاريخ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، إذ إن ما يسمى «الصحوة الإسلامية» أو ما يسميه محمد أركون «صحوة التوجه الديني» وانتشاره إنما يندرج ضمن إحدى وظائف الدين الاجتماعية الأساسية المتمثلة في تحقيق التضامن الاجتماعي.
إن أثر العنف الرمزي والمادي في إنتاج علاقة تواصلية ضعيفة لدى البعض ومتواضعة لدى البعض الآخر، في صلة عميقة بظهور «الصحوة الإسلامية» والتفاعل الإيجابي من الشباب العربي والإسلامي، متدينًا كان أو غير متدين، سلوكًا وممارسة، وأيضا مظاهر الانكفاء والانغلاق الهوياتي لدى الأجيال الشابة للمجتمعات العربية والإسلامية، التي يبدو أنها تعيد إنتاج هذه الهوية وفق أنموذج نسق التعادي الذي يمثل في حد ذاته حركة اجتماعية من أدواتها توظيف الطاقة الرمزية للدين؛ ذلك أن مظاهر التوتر ذات الشرارة الثقافية تحديدًا تتنزل في إطار فكري مهد له أرنولد توينبي بنظرية «التحدّي والاستجابة» التي ميّز فيها بين الانطواء والانبساط إزاء صدمة الحضارة، وأيضا فرنسيس فوكوياما صاحب فلسفة النهايات: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهو تقريبًا أول من دعا إلى ترويج الديمقراطية بالقوة.
كما أن صامويل هنتنغتون، صاحب نظرية صراع الحضارات الذي تنبأ بأن حروب ما بعد الحرب الباردة ستكون ثقافية وحضارية، مركزًا على خطر الحضارتين الإسلامية والصينية، قد ساهم بنظريته، التي تُشرع لحرب حضارية استباقية، في بناء علاقة بين الذات العربية الإسلامية والآخر.
لذلك فإن الإطار الفكري والفلسفي المؤسس الذي يُشرع للعنف الرمزي والمادي ضد الحضارة العربية والإسلامية، قد أثر على كيفية البناء الرمزي للهوية وتحكم في شكل هذه الهوية.
إن المراجعة الفكرية الهادئة لدور الفكر المؤجج في إنتاج هوية يغلب عليها الانغلاق عند الكثيرين مهمة جدًا حتى نعرف كيف يجب أن تتم المعالجة ثقافيًا.
لقد تم التركيز أكثر مما يجب على فكرة الصراع وأُهملت في المقابل مسألة التواصل كبديل لموروث من العلاقات بين الحضارات والثقافات لطالما قام على الصراع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو