«الماغنا كارتا» الخليجية

«الماغنا كارتا» الخليجية

الأحد - 12 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 11 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13893]

مؤشرات من وحي القمة الخليجية التي انفضت للتو، من المنامة، لا بد أن نقف عندها من منظور عقلاني غير عاطفي بتاتًا، رغم أن المؤشرات التي سنقف عندها تبدو من أعمال «القلب».
كيف نفسر ونحلل منطقيًا وعقلانيًا مشاعر تماسك والتحام الشعوب الخليجية مع الأنظمة الخليجية والتي تبدت بشكل واضح للعيان في اجتماع القمة الخليجية في المنامة؟
لم يصدُر فرمان أو مرسوم ملكي يفرض تلك المشاعر على الناس. لم يصدر أمر أميري يجبرهم على التعبير عن الحب. لم تصدر قرارات ولوائح داخلية تفرض عليهم الفرح باجتماع القيادات.. ما الذي أفاض بتلك المشاعر إذن على كل وسيلة للتعبير خاصة، وكثير من أصحاب تلك الوسائل له آراؤه المستقلة والجريئة في النقد وفي الاعتراض على أداء الحكومات؟
مجتمعاتنا نشطة جدًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبيتها شباب من جميع دول المجلس. مجتمعاتنا تلتقط أي فعل أو سلوك يصدر من أي من قيادات الدول الست تجاه الآخر تتعلق حتى بلغة الجسد تستشف منها مدى التقارب ومدى الالتحام، كتقبيل الملك سلمان بن عبد العزيز للعلم البحريني، أو كيف كانت الأيدي والأجساد ملتصقة حين السير باتجاه قاعة الاجتماعات.
أي مشاعر سلبية لدى المجتمعات الخليجية لم تكن تجاه الأنظمة، بل كانت نتيجة استعجالها ورغبتها في مزيد من الالتحام وعدم رضاها عن التأخير.
الذي لا تعرفه بيوت الدراسات الأجنبية التي تقرأ واقعنا وفق مسطرتهم التقليدية التي درست الشعوب الأوروبية وثوراتها أن هناك «بيعة» في رقاب الشعوب الخليجية تجاه أنظمتها تلقائية وعفوية كُتِبت بلا حروف وبلا ورق. الذي لا تعرفه تلك البيوت الاستشارية أن «البيعة» عند العرب هي العقد الاجتماعي. وحصانته وقدسيته لا تقل أبدًا عن حصانة أي دستور مكتوب، هو أقرب لـ«الماغنا كارتا» البريطانية التي أقرت ونظمت تلك العلاقة بين ملوك بريطانيا والشعب الإنجليزي دون أن تُكتب على ورق.
مؤسسة «راند» أحد بيوت الاستشارة التي نصحت الإدارة الأميركية عام 2001 بالمساعدة على تغيير أنظمة الحكم الخليجية، قدمت توصياتها مع دراسات ارتكزت على إحصائيات وأرقام صماء لنسبة الشباب في هذه الدول ونسبة البطالة المتوقعة، ورصد لحالات التذمر مصدرها بعض الشيعة في المنطقة! هي مؤسسة نظرت لمنطقتنا بمعادلة واحد زائد واحد يساوي اثنين.
هناك شباب فلا بد أن يتذمر، هناك أقليات فلا بد أن تتذمر، هناك حكام كبار في السن فلا بد أن تنهار الأسر الحاكمة... إلخ من استنتاجات مبنية على معادلات صماء لا روح فيها ولا اقتراب تعايشيًا مع الواقع.
هكذا رأتنا مؤسسة «راند» عام 2001، لكنها عادت وأقرت بخطئها عام 2015 حين صمدت هذه الدول أمام تسونامي «الربيع العربي» الذي أسقط دولاً كانت قبضتها الحديدية أشدَّ من دول الخليج ومع ذلك أُطيح بها، وصمد خليجنا، لذلك تداركت مؤسسة «راند» خطأها، فقالت في دراستها الأخيرة: «اتضح أن لهذه الدول عمرًا افتراضيًا أطول مما توقعنا، وربما أن للمال سطوة.. قلَّلت من حجم التذمر والتمرد، فلم تصل موجات الارتداد لمنطقة دول مجلس التعاون»، ثم أضافت على هامش دراستها: «وربما لأننا لم نأخذ في الاعتبار المقومات (الاجتماعية) التي تحدد طبيعة العلاقة بين تلك الأنظمة والشعوب في هذه الدول!».
أختم بإقرار آخر لواحدة من جماعة الإخوان المسلمين أقرت بخطأ توقعاتها بقرب سقوط الأنظمة الخليجية وسيادة حكم الجماعات الإسلامية، سواء تلك التي تنتمي لها تلك السيدة أو أخرى وقفت معها، وهي الإعلامية كوثر البشراوي المعروفة التي قالت يومًا ما إنها ستكون فخورة إن كانت حذاء في قدم جندي من جنود بشار الأسد، وقامت بتقبيل الحذاء على الهواء مباشرة، وهاجمت الدول الخليجية ووصمتها بالرجعية والتخلف، هي الأخرى تقول اليوم إنها اكتشف أنه ليست هناك جماعات إسلامية معتدلة، فكلها حين تصل إلى السلطة تحكم بالنار ولا تعترف بالآخر، هذا الاكتشاف المتأخر بالنسبة للأخت كوثر كان اكتشافًا قديمًا لشعوب دول الخليج «الرجعية» على حد وصفها!
خصوصية علاقة الشعوب الخليجية مع الأسر الحاكمة في الخليج ليست علاقة رعايا وتبعية، ولا نقبل أحذيتهم كما فعلت الأخت، ولا نراهم معصومين من الخطأ، كما هي علاقة أعضاء الجماعات الإسلامية مع مرشديهم، أي صورة من صور الاحترام أو التبجيل كتقبيل البعض (للخشم) أو الكتف، أو حتى تقبيل البعض للأيادي؛ فهي من صغير إلى كبير في السن أو في المكانة الاجتماعية.. علاقة احترام لا علاقة تقديس، علاقة ترسم طبيعتها تلك الخصوصية العرفية التقليدية العربية.
قد تتفاوت مساحة التعبير من دولة خليجية لأخرى في إبداء الرأي المعارض والمنتقد، وتتفاوت معها مساحة المشاركة في صنع القرار والحكم بين دولة خليجية وأخرى، لكنها كلها دون استثناء تتوحد عند حقيقة تمسك الشعوب بهذه الأنظمة. إنها «ماغنا كارتا» غير مكتوبة تنظم علاقة الشعوب الخليجية مع الأسر الحاكمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة