وَهم الخلود

وَهم الخلود

الأربعاء - 23 صفر 1438 هـ - 23 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [13875]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
مع أن تناول أحداث دولية ساخنة يظل أولى بالتعليق صحافيًا، وأكثر مهنية، خصوصًا إذ يشدّ الاهتمام ما يبدو واضحًا لجهة إحكام صقور اليمين السياسي قبضتهم على مقاليد الحكم في عواصم دولية عدة، بدءًا بأميركا الرئيس دونالد ترامب، وما بدأ يلوح في الأفق من تنصيب مسبق لساسة أميركيين ذوي توجهات يمينية بعضها متطرف، وصولاً إلى احتمال أن يصحو العالم قريبًا على فرنسا «الرئيس مارين لوبان»، مع ذلك وجدتني مشدودًا لنبأ انتصار محكمة بريطانية نهار الخميس الماضي، لقرار فتاة ذات أربعة عشر عامًا وتحقيق رغبتها في تجميد جسدها بعد موتها، على أمل أن يتوصل العلم، ولو بعد قرنين، إلى ما يبعث فيها الحياة من جديد، لكَون عظامها المُجمدة لم تتحلل إلى رميم، فيعالجها من خبيث سرطان أودى بحياتها وهي بعد في ريعان الصبا.
إنما، هبْ أن ذلك الأمر تحقق، بمشيئة مَنْ خلق فقدَّر وهدى، هل إذ ذاك سيرضى البشر ويقبلون حقيقة أن الموت لا بُدّ آت، ليس منه مفر، ولو عمّر الفرد ألف سنة أو يزيد؟ الأرجح أن الجواب هو: كلا. شرح ذلك واضح ومعروف لكل مُلّمٍ بجوانب من مسيرة الإنسان مذ بدء الخليقة، وخلاصته أن وهمَ خلود البشر رافق تطور حضارات عدة بمشارق المعمورة وفي المغارب، من أقاصي شمال الكوكب إلى صحاري الجنوب، أما الأقرب مثالاً للعرب فهو تعامل الحضارة الفرعونية مع عودة الموتى للحياة من منطلق تزويد الميت بما ظن علماء ذاك الزمن أنه ضرورات أساسية لبدء العيش الجديد. ولعلكم تذكرون عثور الألمانيين إيريكا وهلموت سيمون، سنة 1991، مصادفة على ما سُمي «رجل الجليد» بأعالي جبال الألب في منطقة على الحدود بين النمسا وإيطاليا.
دلالة ما سبق أن أمل الفتاة البريطانية بأن تقوم من الموت لتواصل الحياة مجددًا، هو ليس الأول ومن ثمّ لن يكون الأخير. ومع تسجيل الإعجاب بتفاؤل الصبيّة وشجاعة مطلبها إلى حدّ الذهاب به إلى منصة القضاء، ساورني أيضًا إحساس بالأسى إزاء تمكّن بضعة أناس من بيع هكذا وهمٍ لآخرين، لدرجة أنه دخل السوق ضمن «البزنس» المشروع، وراحت مواقع تجارة على الإنترنت تروّج له، ومن خلالها وصل لمراهقة في أواخر أيامها. أثارت القصة كثير ضجيج، واختلفت ردود الفعل بشأنها، خصوصًا لجهة ما تسببت به من آلام داخل أسرة الفتاة، هي لن تحس بها، وبالطبع لن تعرف عنها أي شيء، إذا تحقق لها ما أرادت، فبدا في الأمر جانب أناني لم يعجب بعض الناس. تناولت الكاتبة لبّي بيرفس (Libby Purves) الموضوع في مقالها بجريدة «ميل أون صاندي» الأحد الماضي بحس إنساني، خصوصًا أنها عاشت قسوة أن يواري الأب والأم ولدًا لهما الثرى. وكما حصل معي، عبرت السيدة لبّي عن إحساس الأسى ذاته، لكنها أيضًا أخذت في الاعتبار أن إقرار القاضي لقرار الفتاة سهل لها العبور من الحياة إلى الموت، ثم إن الكاتبة اللماحة ذكرت قراءها بكلمات مؤثرة للعبقري الراحل ستيف جوبز، جاء فيها ما يلي: «الموت هو أفضل اختراع للحياة، إنه أداة تغير الحياة، إذ يزيح القديم ليفسح الدرب للجديد». بالمناسبة، مكتشف عوالم «الآيباد» و«الآيفون»، لم يطلب تجميده في انتظار اكتشاف ما يعيده من الموت إلى عالم مختلف عنه تمامًا.
يُذكرني ذلك بما سمعت من صديقة ذات ثقافة راقية، إذ قالت قبل نحو عشر سنوات ما مضمونه: ماذا أفعل بحياة بلا أهل وأحباء، إذا صحوت بعدما مِت مائة سنة؟ كانت الصديقة تعلق على خبر حول بدء توسع «بزنس» تجميد الموتى. حقًا، من ذا الذي يريد أن ينهض فجأة من الرقاد فلا يجد حوله أي أحد يعرفه على وجه الأرض؟ حتى القليل من الناس، المعانون غربة الروح، المعتزلون البشر، طلبًا لسكينة النفس واطمئنان القلب، سرعان ما يكتشفون حاجتهم للنزول من قمة جبل العزلة والتأمل إلى سهول الحياة وجموح صخبها الجنوني، فتراهم يفتشون عن حبٍ محسوس بكل عصبٍ، وعن صداقة تلامس بصدق القول شِعاب النفس فتهدهد قلقها، وتبث فيها طمأنينة تواجه بها مواجع الزمن وجروحه.
يبقى أن حلم البريطانية القاصر، حتى لو هو مجرد وهم، يظل أكثر نقاءً وبراءة من أحلام زعماء وطغاة يطلبون الخلود وهم أحياء، فيملأون بلدانهم بنصب تماثيل لهم، ظانين أنهم من قبورهم سوف يواصلون التحكم بمصائر الناس ومستقبلهم. المشكل أن ذلك يحصل، إذ يجد بعض الطغاة تُبعًا يحرصون على «تخليد» الزعيم، حيًا أو ميتًا، لا يهم.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
23/11/2016 - 00:43

جنون الخلود هو هوس لم يفكر طالبه بكل حيثياته، الموت هو من النعم العظيمة التي تفضل بها الخالق على الناس لولاها لأصبحت الحياة على الأرض جحيما لا يطاق. الموت رحمة للمعذبين وهو حرية التي لايمكن معها ان يستعبدك فيها الطغاة، كما هو أداة التغيير ليفسح للدرب الجديد كما قال ستيف جوبز. شكرا لك

ناصر العمار
البلد: 
الرياض
23/11/2016 - 07:27

شكراً لك استاذ بكر على كلماتك الرائعة التي لامست وجداني قلت في بداية المقال ما معناه انك المفترض ان تكتب عن السياسة ودهاليزها ، سيدي الكريم اصدقك القول اني مللت من هذه السياسة وما يعتريها من كذب وتدليس على عينك يا تاجر ، نعم نحن بحاجة لمثل هذه المقال الذي يلامس انسانيتنا بصدق وعاطفة كبيرة رحم الله ابنك او ابنتك وشكراً جزيلاً لك.

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
23/11/2016 - 17:32

الأكثرية من البشر لا تريد مغادرة نعيم الدنيا،هوءها نسيمها ناسها سماءها أرضها وأنهارها وصحاريها وجبالها وتلالها،وزد في ذلك المال والبنون زينة الحياة الدنيا،وزد في ذلك الزوجة.كل هذه الأشياء تجعل الإنسان يعشق الحياة والبقاء فيها الي أجل غير مسمي.لكن الله الذي أوجد الحياة جميلة،أوجد فيها الموت.ولو لم يكن الموت من عند الله،لأخترعه الإنسان بعد زهجه من الحياة.

ناظم عويضة
البلد: 
غزة/فلسطين
23/11/2016 - 17:38

رأي الصحفي المخضرم الأستاذ/ بكر عويضة بعنوان وهم الخلود وصل بي إلى قناعة راسخة هي أن الخلود يواجه يوماً بالموت الذي هو من خلق المولى عز وجل وهو سبحانه الخالد الذي لا يموت أبداً.

زائدة الشيخ ديب
البلد: 
Palestine - Gaza
23/11/2016 - 17:42

أعجبني رأي الأستاذ الصحفي/بكر عويضة
في تخليله لشخصية الفتاة البريطانية التي تخلم بالعودة للحياة بعد موتها... ولكني لا أوافق هذه الفتاة التي يجب أن تؤمن بحياة البرزخ بعد الموت ثم البعث يوم القيامة.

كريم عويضة
البلد: 
عكا | فلسطين المحتلة
23/11/2016 - 17:54

لو لم يكن هناك موت لتمنت الناس الموت - حديث شريف
الانسان المؤمن بربه حق الإيمان يتمنى اليوم الذي يلاقي به الله عز وجل
فالموت نعمة لكل مؤمن ونقمة على كل مشرك
اشكرك مقال رائع

Osama Nazim
البلد: 
Dubai
23/11/2016 - 17:57

لقد لامست في هذا المقال صلب احاسيسنا الانسانية المفقودة هذه الأيام، فكم من زعيم عربي خاصة اباد شعباً لينال الخلود ولكن أنّى له ذلك
(ان ربك لبلمرصاد)
تحياتي مع كل التوفيق

ياسمين أبو سيدو
البلد: 
شارع السروجيّة
23/11/2016 - 18:04

ان كان هناك خلود لمخلوق ما
فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس بأن يحظى بذلك
ولكن أمر الله نافذ امتثالاً لقوله تعالى (كلٌ من عليها فـــان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) صدق الله العظيم

محمود ديب
البلد: 
فلسطين
23/11/2016 - 22:13

استاذ بكر جميل أن تترك في مقالك اليوم السياسة وهمومها وتتحدث عن أمر أنساني بحت فالكاتب والصحفي إنسان قبل كل شئ الموت حق ورحمة على كل إنسان ولله حكمة في خلقه سبحانه مقدر الخلق والخليقه ومع ذلك كان حلم الخلود راود الكثير على مر التاريخ ونذكر هنا ما ورد في القران الكريم عندما اغرى ابليس آدم وحواء بالاكل من الشجرة المحرمة ووعدهم مقابل ذلك بالخلود !!
ومسألة تجميد الجسد المريض حتى يصل العلم الى علاج لمرضه أصبحت موضة للاغنياء وبذنس كما ذكرتم لمن يملك تلك التكلفة الباهظة ولكن الانسان له الحق في الحلم وله الحق في الامل في الغد وتلك الفتاة اعتقدت أنها مظلومة ولا تكفي السنوات القليلة التى عاشتها لكى تحس بمتعة الحياة وهو حقها أن تحلم بحياة اخرى ولعل ما هو مستحيل الان ربما يكون ممكنا غدا فقد طار الانسان في الجو وغاص الى الاعماق وغزا القمر والكواكب !!!

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة