الموت جوعًا.. ببنغازي!

الموت جوعًا.. ببنغازي!

الأربعاء - 4 محرم 1438 هـ - 05 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13826]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
بدا العنوان «العفو الدولية: أكثر من 100 عائلة تواجه الموت جوعًا في بنغازي» صادمًا، لكنه لم يكن فريدًا. نعم، ما هذه أول مرة يواجه فيها مدنيون عزل أبرياء احتمال سوء المصير، نتيجة أفعال أقدم عليها عسكريون، سواء كانوا منتمين لجيش نظامي، أو أنهم متصارعون داخل عشائر الثوريين وقبائل الثوار، يشعلون نار الحرائق بدل غرس أزهار الحدائق، ويخوضون الحروب فيما بينهم بالوكالة عن غيرهم، فيكتوي بلهيبها بسطاء مُعْتَرون. منطق العقل يرجح أن ليس من موقف يبرر أن تعيش أسرة واحدة، ناهيك عن مائة عائلة، حال شح الطعام والماء أو الدواء، إلى حد احتمال الموت جوعًا وعطشًا، بفعل اختلاف بين فصائل متصارعة.
ربما يكون مفهومًا أن تحاصر قوات اللواء خليفة بلقاسم حفتر جيوب عناصر «داعش» المتحصنة بين بيوت مدنيين في بنغازي - وهذه خطيئة أقدمت وتقدم عليها دول وتنظيمات عدة - لكن ليس مقبولاً وفق أي قانون، مدني أو عسكري، أن يتحمل العبء أبرياء عزل، ليس بينهم من يقبل للحظة واحدة العيش تحت سلطة داعشية ليست منهم، ولا تمت لجوهر دينهم بأي صلة. لكن، مرة أخرى وما هي بالأخيرة، سوف يظل يتكرر السؤال: لماذا أمكن لتنظيم داعش الوصول إلى ليبيا، من هو الطرف الذي مكّن أولئك النفر من التمدد ما بين الرقة في سوريا والموصل بالعراق، ثم الوصول إلى سواحل ليبيا؟ لست أزعم أنني أعرف دقيق الجواب. لديّ، كما كثيرين غيري، شكوك كثيرة، وتحوم الشبهات حول أطراف عدة. وفقا لتساؤل أغاثا كريستي، روائية الجرائم الذائعة الصيت: «من المستفيد من الجريمة؟»، فإن تلك الأطراف هي المستفيدة من تفتيت العالم العربي دويلات طائفية. ثم، ليس سرًا، بل يعرف كل مهتم، أن مقولات «إعادة العرب إلى حكم ملوك الطوائف»، أو «بلقنة الشرق الأوسط»، أو «قبرصة لبنان»، عرفت طريقها إلى عقول الجمهور العربي، عبر وسائل الإعلام، منذ اندلاع حرب لبنان الأهلية (أبريل - نيسان 1975) ثم تصاعد انتشار تلك المقولات مع عودة الخميني إلى إيران (فبراير - شباط 1979) خصوصًا أن الرجل لم يخفِ نيته نشر «الثورة الإسلامية» في الجوار.
تُرى أهي مصادفات، أم أن الشر مُرادٌ للعرب والمسلمين منذ زمن، وبادر بعض منهم إلى شراء أسهم في بورصاته، ولو بحسن نيّة، وبظن أنه خير طال انتظاره، ولما تبيّن الخيط الأبيض من الأسود، كان الوقت قد فات؟ أيضًا، لست أزعم معرفة بدقيق الإجابة، وما تلك مهمتي على أي حال، يكفي الكاتب أو المعلق أن يسلط بعض ضوء علّه يكشف من الجوانب أو الآفاق ما يعين المعني بالغوص أكثر في أعماق النصوص والوثائق، بغية التوصل للفهم الأدق.
بعد ظُهر الأربعاء الماضي، جلست أنتظر موعدي بقاعة فحص الدم بمستشفى كنغستون. ظَهر الرقم (151) على الشاشة وتبعه صوت يطلب مني التوجه إلى الغرفة الخامسة. أخذت مقعدي أمام المختص وانتبهت أن اسمه المثبّت على صدر معطفه الأبيض هو «ريموند وِّلْ»، فحييته بالاسم. فجأة أتاني صوت يحييني بالعربية، فإذا به أحد رفاق مشوار الغربة اللندنية منذ زمن العمل معًا بجريدة «العرب». تبادلنا حديثًا موجزًا على أن نكمل لاحقًا. أوضحت لمستر ريموند أنني لم أقابل ذلك الصديق منذ فترة طالت، فرد قائلاً: عندما تلتقي قدماء أصدقائك بالمستشفى، تدرك كم أن العمر تقدم بك فعلاً. ابتسمت بدوري، وقلت إن اسمه يذكرني باسم صديق قديم لي، ما أزال ألتقيه خارج المشافي. استغرب فقال: لم أكن أعرف أن العرب يسمون أبناءهم بهذا الاسم. أدهشني استغرابه، لكني فجأة تذكّرت رواية صحافي معروف عن دهشة معمر القذافي إزاء أن هناك عربًا مسيحيين. حصل ذلك عندما كانت طرابلس محجًا لصحافيين عرب كبار وسياسيين ثوار، كلٌ منهم يسعى في مناكبها طلبًا لصفقة، أو إتمامًا لمشروع. الصحافي الكبير ذاته، حقق لاحقًا حلم إنشاء دار صحافية، وسمعته يكاد ينفجر ضاحكًا إذ يروي كيف أسرّ له معمر القذافي أنه كان يفضل لو أن عاصمة عربية أوفدت له مسؤولاً يحمل اسم محمد، حتى لو كان لقبه «كذبني» بدل أن ترسل مبعوثًا باسم مسيحي، ولو أن لقبه يتصل بصفة الصدق. أستطيع هنا نشر صريح الأسماء، لكن احترام رحيل البشر إلى عالم ما بعد الحياة مهم وضروري، ثم إن الأهم هنا هو المغزى، وليس الشخص. تلك الواقعة كانت من أعراض ما سيتضح فيما بعد عن حقيقة فهم القذافي وأفكاره. ولو أن الإدراك حصل مبكرًا، ولم تتنافس نخب الوسطين الإعلامي والثقافي العربية في تمجيد زعماء وتقديس حركات وأحزاب، لربما أمكننا تجنّب مجاعات كثيرة، ومآس أكثر، ببنغازي وغيرها.

التعليقات

محـــمد
البلد: 
ليبــــيا
05/10/2016 - 06:04

سيي الكاتب المحترم. وأنت قد عرفت ليبيا واختلطت بأهلها، منذ حقب مضت. وإجابة على تساؤلك عمن أحضر انا "داعش" وأخواتها ؟! ، أقول لك يا سيدي ، أن من أحضر هؤلاء ةأولئك وغيرهم الى ليبيا، التي لاشك أنك تعرف طبيعة أهلها هم من "إخوان المرشد" ، الذين يعيثُ بقاياهم فسادا وإرهابا في أرض الكنانة "مصر" وتريد "ماما أمريكا" ، رضينا أم أبينا، وقد أبينا في جولتين اثنتين، إلاّ أن تُحَكِّمَهُم في رقابنا. أللليبيون مسلمون ومتسامحون ، كما أجزم أنك قد لمست ذلك وهذا هو السبب في تَغَوِّلِ أولئك في البلاد ،هم وعناقيدهم أمثال داعش والمقاتلة ومجلس شورى كذا وغير ذلك من زَبَدٍ، ما أنزل الله به من سلطان. أنا لا أؤيد تسلط العسكر على السلطة ولكن السيد/حفتر ، استطاع أن ينجز ما لم يقم به أحد من العسكريين وأوجد قاعدة أساسية لهيكلة الجيش وهذا ما لا تريده المليشيات. أشكرك، سبدي

suliman aldrisy
البلد: 
libya
05/10/2016 - 07:16

سيدي مع احترامي لكم انت عشت في مدينة بنغازي وتعرف كم هذه المدينة مضيافة لضيوفها حتي سميت بربية الذياح وهي تسمية القيت عليها لان الكثير من الناس يبحث عن عمل او لقمة عيش فيجول في مدن ليبيا ولكن مايجد الكرم وحسن الضيافة الا في مدينة بنغازي المجاهدة ام بالنسبة لرقم التي طرحته اللجنة العفو الدولية فهو مبالغ به كثيرا وكعادة هذه المنظمات تعمل لمصالح الدول الكبري فمدينة بنغازي امس تعرضت لهجوم صاروخي في حي سكني مكتظ بالسكان وقت الظهيرة فسقط قتلي وجرحي وهكذا مدينة بنغازي منذ 3 سنوات وهي تعاني من هذه الهجمات لم نسمع عن اي منظمة حقوقية او اممية او العفو الدولية تحدث عن الاطفال والنساء والشيوخ الذين سقطو جرحي وقتلي من هذه الجماعات الارهابية التي تدعمها دول كبري مثل امريكا وبريطانيا وايطاليا بالسلاح

أم أحمد
البلد: 
فلسطين
05/10/2016 - 20:13

أشكر الكاتب على ما يبوح به على لساننا نعم ليس الانسان باسمه ولقبه وديانته بل بسمو اخلاقه وتقواه وخشيته من مولاه رب العالمين ( يمهل ولا يهمل ) ان المسئولين عن تجويع البشر وحصارهم وقتلهم وتهجيرهم مجرمون كثر ينتشرون شرقا وغربا دواعش وغيرهم وايادي اثمة اكثر اجراما تمدهم بالعتاد والمال والسلاح ثم تتباكى زورا وبهتانا على الضحايا وتطلق التصريحات الرعناء عن ضرورة وقف الحروب الخبيثه التي صنعوها أما مسالة الادراك المبكر للتنافس بين النخب وحتى العامة في الاوساطا لتمجيد زعماء وتقديس حركات فهو للاسف لا زال متاخرا عند العرب قاطبه فعلى العقول والقلوب اقفال صدئه وكما ارى أنه لن ينصلح الحال طالما بقى بين الجدران والازقه من لا يسال الناس الحافا ولا يخرج لمبايعة احد

ابو صالح
البلد: 
غزة
05/10/2016 - 20:26

استاذ بكر ما زلت تحاول ايقاظ الغافلين نتذكر(رايس) وكلمتها الشهيرة شرق اوسط جديد والدعوة الى الربيع العربي بمساندة تجار الدين والساعين الى السلطة على حساب جماجم شعوبهم كيف وصلت داعش الى المنطقة والحدود العربيه لا يمر فيها ارنب بفضل المراقبة الشديدة كيف دخل الافراد بعتادهم وسياراتهم وافكارهم الى العديد من المناطق العربيه سوى بدعم من يكره العرب ويترصد بهم ويريد تقسيم المنطقة وضعف الدول العربيه خلق الشرق الاوسط الجديد انا استغرب خروج داعش من منطقة الى اخرى بدون اى اعتراض وكان تصلهم الاوامر بالحركة هنا وهناك ولا ارى اى قتلى ولا اسرى على الفضائيات ولا تحقيق مع احد منهم الخطة مدبرة بعناية بمساعدة وكلاء الحروب وتجار الدم والدعوة الى الثورة والثورة المضادة ونظل ندور في تلك الحلقة المفزعة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة