مضايقات روسية لدبلوماسيي الولايات المتحدة في أنحاء أوروبا

مضايقات روسية لدبلوماسيي الولايات المتحدة في أنحاء أوروبا

الخميس - 25 شهر رمضان 1437 هـ - 30 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13729]
جوش روغين
صحفي أميركي

ظلت أجهزة الاستخبارات والأمن الروسية تشن حملة من المضايقات والترهيب ضد الدبلوماسيين الأميركيين، وموظفي السفارة الأميركية وعائلاتهم في موسكو، والكثير من العواصم الأوروبية الأخرى. تلك التصرفات التي سببت حنقًا شديدًا لدى السفراء ودفعت وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى أن يطلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعلى نحو مباشر أن يضع حدًا لهذه المضايقات.
وفي اجتماع عقد مؤخرًا في واشنطن لسفراء الولايات المتحدة لدى روسيا ودول أوروبا، تقدم سفراء الولايات المتحدة في الكثير من العواصم الأوروبية بشكواهم بأن مسؤولي الاستخبارات الروسية كانوا يتعمدون ارتكاب أعمال التحرش والمضايقات ضد الموظفين الدبلوماسيين والتي راوحت بين بعض التصرفات الغريبة إلى السلوكيات المخيفة والمفزعة. وكانت بعض المضايقات روتينية الطابع: من حيث ملاحقة الدبلوماسيين أو أفراد عائلاتهم، أو الظهور في مناسباتهم الاجتماعية من غير دعوة مسبقة، أو دفع أموال للصحافيين من أجل كتابة القصص الإخبارية السلبية عنهم.
ولكن الكثير من أعمال الترهيب الروسية الأخيرة جاوزت الحد من قبل الأجهزة الأمنية الروسية وحتى مستوى الإجرام الواضح. وفي سلسلة من المذكرات السرية التي أرسلت إلى واشنطن، والتي وصفها لي الكثير من المسؤولين الأميركيين الحاليين أو السابقين من الذين كتبوها بأنفسهم أو اطلعوا عليها وقرأوها، أبلغ الدبلوماسيون بأن المتسللين الروس اقتحموا منازلهم في أوقات متأخرة من الليل؛ من أجل إعادة ترتيب الأثاث أو لتشغيل الأنوار كافة في المنزل، وتشغيل أجهزة التلفاز كذلك، ثم المغادرة. ولقد أبلغ أحد الدبلوماسيين أن «المتسلل قد ألقى بالأوساخ متعمدًا على بساط غرفة المعيشة في منزله».
وفي موسكو، حيث تكون أعمال المضايقات أكثر انتشارًا، أبلغ الدبلوماسيون عن حالات قطع في إطارات السيارات، والتحرشات المنتظمة من قبل شرطة المرور. وتعرض السفير الأسبق مايكل ماكفول للمطاردة من قبل المتظاهرين المدفوع لهم من جانب الحكومة، وكانت عناصر الاستخبارات الروسية تلاحق أبناءه في طريقهم من المدرسة وإليها. وعمليات التحرش والمضايقات ليست جديدة، ففي خلال الفترة الأولى من رئاسة الرئيس أوباما، اقتحم عناصر الاستخبارات الروسية منزل الملحق العسكري الأميركي في موسكو وقتلوا كلبه، وفقًا للكثير من المسؤولين الأميركيين السابقين من الذين يطلعون على تقارير الاستخبارات.
ومنذ التدخل الروسي في أوكرانيا عام 2014، والذي حرك مجموعة واسعة من العقوبات الأميركية ضد المسؤولين الروس ورجال الأعمال وثيقي الصلة بالرئيس بوتين، زادت حدة المضايقات والمراقبة وبصورة كبيرة ضد أعضاء السلك الدبلوماسي الأميركي في موسكو من جانب عناصر أجهزة الأمن الروسية وشرطة المرور، كما أكد لي جون كيربي السكرتير الصحافي لدى وزارة الخارجية الأميركية.
وقال نورم ايسين، سفير الولايات المتحدة لدى جمهورية التشيك في الفترة بين عام 2011 وعام 2014: «منذ عودة بوتين، انخرطت روسيا وبشكل متزايد في حرب عدوانية رمادية في جميع أنحاء أوروبا. والآن حان ميعاد الرد على العقوبات الغربية بسبب أوكرانيا. والمضايقات التي أبلغ عنها على نطاق واسع هي إحدى جبهات تلك الحرب الرمادية الروسية. إنهم يتعمدون مضايقة الدبلوماسيين الأميركيين حرفيًا في الأماكن التي يعيشون فيها».
ولقد اتخذت وزارة الخارجية الأميركية تدابير عدة استجابة لزيادة مستوى النشاط الشنيع الذي تمارسه الحكومة الروسية، حيث يتلقى الدبلوماسيون الأميركيون كافة المتجهون إلى مختلف العواصم الأوروبية الآن تدريبات حول كيفية التعامل مع المضايقات الروسية، ولقد عقد مكتب الشؤون الأوروبية، الذي تديره فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية، لقاءات داخلية عدة تدور حول تتبع والاستجابة لمثل تلك الحوادث.
ولقد أخبرني ماكفول بأنه وأسرته كانوا تحت المراقبة المنتظمة من جانب أجهزة الاستخبارات الروسية، التي أرادت من أفراد عائلته أن يعلموا أنهم مراقبون. كما عانى مسؤولو السفارة الآخرون المضايقات الروتينية التي تزايدت بشكل كبير بعد العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالقضية الأوكرانية. وكان الدبلوماسيون الذين يبلغون عن الأنشطة الروسية يلقون أسوأ أنواع المضايقات والتحرشات.
كان هناك جدل دائر داخل إدارة الرئيس أوباما حول كيفية الرد على تلك السلوكيات، ولقد اتخذ الرئيس قراره في نهاية المطاف بعدم الاستجابة بتنفيذ تدابير مماثلة ضد الدبلوماسيين الروس، كما قال ماكفول.
ولقد بعث المتحدث باسم السفارة الروسية في واشنطن لي ببيان مطول اعترف فيه على نحو ضمني بتلك المضايقات، ودافع عنها بحجة أنها كانت بمثابة رد الفعل على ما وصفه بالاستفزازات الأميركية، وسوء معاملة الدبلوماسيين الروس في الولايات المتحدة.
وقال المتحدث الرسمي الروسي في بيانه «كان التدهور في العلاقات الأميركية - الروسية، الذي لم ينشأ من جانبنا، ولكنه كان من جانب سياسة الإدارة الأميركية الحالية والعقوبات الاقتصادية ومحاولات عزل روسيا عن العالم، له أبلغ الأثر على فاعلية البعثات الدبلوماسية، في كل من الولايات المتحدة وروسيا. وهناك في الممارسات الدبلوماسية دائمًا مبدأ المعاملة بالمثل، وبكل تأكيد، عبر العامين الماضيين، كان الموظفون الدبلوماسيون الروس في الولايات المتحدة يواجهون مشاكل معينة. والجانب الروسي لم يتصرف بشكل استباقي على الإطلاق من أجل التأثير سلبيًا في الدبلوماسيين الأميركيين، وبأي صورة من الصور».
وقالت إيفيلين فاركاس، التي شغلت منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي للشؤون الروسية، والأوكرانية، والأوراسية حتى العام الماضي، إنه لا يوجد تكافؤ بين مستوى القيود التي تعرض لها الدبلوماسيون الروس في الولايات المتحدة وبين المضايقات والترهيب الذي يعانيه الدبلوماسيون الأميركيون على أيدي أجهزة الأمن الروسية. وحقيقة أن الحكومة الروسية متهمة باغتيال الدبلوماسيين والمنشقين البارزين في الدول الأوروبية يضيف مستوى جديدًا من الخوف بالنسبة للأهداف الروسية.
وأضافت فاركاس «عندما ترسل الحكومة الروسية عناصرها لتنفيذ مثل هذا النوع من الترهيب، الذي يتحرك من مستوى الترهيب إلى شيء أسوأ لا يمكن تصوره».
وقال لي كيربي: إن «وزارة الخارجية تأخذ سلامة الموظفين الدبلوماسيين الأميركيين ورعايتهم وموظفي القنصليات في الخارج وأفراد أسرهم المصاحبين لهم بمنتهى الجدية». وأضاف «لقد أعربنا مرارًا وتكرارًا عن قلقنا حول المضايقات التي يتعرض لها الموظفون الدبلوماسيون والقنصليون مع الروس، بما في ذلك أعلى درجات المضايقات المبلغ عنها».
ولقد أثار كيري تلك المسألة مباشرة مع الرئيس بوتين خلال زيارته إلى موسكو في مارس (آذار) الماضي. ولم يتعهد بوتين بأي شيء حول وقف أعمال المضايقات، التي استمرت بعد عودة كيري إلى واشنطن. ويطالب سفراء الولايات المتحدة في أوروبا وزارة خارجية بلادهم ببذل المزيد من الجهود.
ويرى كبار أعضاء الكونغرس الأميركي من الذين يشاركون في ارتباطات دبلوماسية مع أوروبا عدم وجود استجابة قوية من قبل الولايات المتحدة بصفتها جزءًا من الجهود المبذولة من جانب إدارة الرئيس أوباما لإظهار رد فعل قوي وإيجابي حول العلاقات الأميركية الروسية التي لا وجود لها في واقع الأمر.
يقول النائب مايك تيرنر (الجمهوري من ولاية أوهايو) الذي يشغل منصب رئيس الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي «تكمن المشكلة في أن روسيا لم تشهد أي عواقب أو تداعيات لتصرفاتها حتى الآن. وتستمر الإدارة الأميركية في متابعة الخطاب الوهمي الكاذب بأن روسيا يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا للولايات المتحدة. وهم لا يريدون وبكل وضوح أن يكونوا شركاء لنا، ولقد نعتونا صراحة بأننا خصم لهم، ويتعين علينا الاستعداد لذلك النوع من العلاقات معهم».


* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة