الأفكار القاتلة التي تشكل عالمنا المعاصر

الأفكار القاتلة التي تشكل عالمنا المعاصر

الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13725]

لكل عصر شكله الخاص من الأمراض العقلية، ومن الجنون الذي يتخذ أشكالاً تتناسب وذلك العصر. والهستيريا، المرض الذي قضى فرويد جُلّ وقته محاولاً تفهمه، لم يعد معترفًا به أو قيد التشخيص. أما فقدان الشهية، والذي كان من الأمراض النادرة نسبيًا، صار الآن أكثر شيوعًا وانتشارًا.

لكل عصر خطابه السياسي الخاص، أيضًا، ويؤثر ذلك أيضًا في المخ البشري. ففي هذا الشهر، ارتكب رجلان جريمة القتل في ظروف مشحونة للغاية. فهل كانت أفعالهما ناجمة عن اضطرابات شخصية، أو نتيجة للاضطرابات السياسية؟ ماذا لو أن الجواب كان «كلاهما؟».

في أورلاندو، قتل عمر متين 49 شخصًا في ملهى ليلي للمثليين. وقبل أن يرتكب جريمته، كتب على صفحته على الفيسبوك يقول «إنكم تقتلون النساء والأطفال الأبرياء بواسطة الغارات الجوية الأميركية، وحان وقتكم لتذوقوا انتقام (داعش)». ولقد أعلن عن تهديد مفتوح، قال فيه: «خلال الأيام القليلة المقبلة سوف ترون هجمات من (داعش) داخل أميركا». ومع ذلك ليس هناك من دليل على أي صلات حقيقية تربطه بتنظيم داعش الإرهابي. وعلى الرغم من راديكالية اللهجة التي يتحدث بها، وبما فيه الكفاية لفتح تحقيق بشأنها من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإنه لم يتم الوقوف على أي صلات مباشرة بينه وبين التنظيم. وفي الأثناء ذاتها، كان «متين» يسيء معاملة زوجته السابقة، ولقد وصفه أحد الأئمة المحليين المسلمين بأنه انعزالي. وقال أحد زملائه السابقين: «كان يتحدث عن قتل الناس طوال الوقت»، وليس ذلك من علامات الاتزان العقلي في شيء.

فهل كان عمر متين «إرهابيًا؟» أم «مسلحًا فرديًا؟» هل يمكن ربطه على وجه الدقة بتنظيم داعش، إن لم يكن قد تقابل قط مع أي من أعضاء التنظيم؟ وفي مدينة بريستال بمقاطعة يوركشاير الإنجليزية، اعتقل تومي مائير بسبب جريمة قتل النائبة جو كوكس، عضو مجلس العموم البريطاني عن حزب العمال والتي كانت تعمل بنشاط في حملة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وكانت تنشط وبشكل خاص من أجل اللاجئين السوريين كذلك. يقول بعض الشهود إن مائير، وهو قارئ لكتب ومواقع النازيين الجدد ومن المؤيدين العنصريين لتفوق الجنس الأبيض، وفقًا لمركز ساوذرن بافرتي القانوني، كان قد صرخ أثناء طعنه للسيدة كوكس قائلاً: «بريطانيا أولاً».

ارتكبت هذه الجريمة في نفس اليوم الذي أطلق فيه حزب الاستقلال البريطاني المناهض لأوروبا ملصقًا كبيرًا، يصور حشدًا من اللاجئين، ويحمل شعار «نقطة الانهيار»، بعد أسابيع من عناوين الصحف الشعبية التي تدور حول الأخطار التي يشكلها المهاجرون على الخدمات الصحية، والمدارس، وأسلوب الحياة البريطاني. ولكن كان مائير يعاني ولفترة طويلة من مشكلات صحية عقلية والتي عولجت بفعالية، ويبدو أنه كان بلا عمل وبلا أصدقاء. فهل كان متأثرًا بحملة الاستفتاء العام الساخطة؟ هل يمكن لرجل لديه مشكلات عقلية سابقة أن يوصف من الناحية القانونية، بأنه استوحى جريمته من الخطاب السائد لوسائل الإعلام المحلية؟

تماما كما اختلف الأميركيون حول التوصيف الدقيق لعمر متين، لا يتفق البريطانيون حول مائير. وفي ذكرت صحيفة «الصن» البريطانية، وهي الصحيفة الشعبية المناهضة للاتحاد الأوروبي، أن كوكس لقيت مصرعها على أيدي «ذئب شارد». أما صحيفة «الغارديان»، وعلى غرار الصحف الأخرى المؤيدة للاتحاد الأوروبي، نقلت عن زوج السيدة كوكس دعوته بريطانيا لأن تحارب «الكراهية التي أودت بحياة زوجته». وانقسمت بقية وسائل الإعلام البريطانية في توصيفاتها على طول الخطوط الآيديولوجية وعرضها.

مثل هذا النزاع لا يمكن أن يشهد التسوية قط، بسبب أنه ليس من الممكن تسويته أبدًا. فليس من الممكن بحال الفصل بين خيوط العاطفة، والتبرير، والجنون، والحسابات، والعقل، والتعصب التي يمكن أن تتأصل وتوجد داخل المخ البشري. كما أنه ليس من الممكن بحال أيضًا فصل المخ البشري عن بيئته.

وتلك البيئة، بكل أسف، شديدة السمية، إننا نعلم بالفعل ما فيه الكفاية لنتفهم أن مذبحة أورلاندو وجريمة مقتل كوكس هي من الجرائم السياسية، وأنه لا يمكن تفسيرهما بمنأى عن الإشارة إلى الخطاب السياسي السائد. استخدم عمر متين اللغة السياسية العنيفة في توصيف ما كان يقوم به. ويبدو أنه استوحى الإلهام لارتكاب جريمته من الحركة المتطرفة، حتى وإن كان على غير صلة بأي من أعضاء التنظيم على المستوى الشخصي. أما مائير فليس متهمًا بقتل شخصية عشوائية في لحظة عشوائية، كذلك: فلقد كانت جريمة اغتيال شخصية سياسية بارزة، في ذروة مشاعر السخط التي تشوب حملة الاستفتاء الحالية.

إن النزعة المتطرفة البغيضة التي تنتشر عبر الإنترنت وعلى موجات الأثير، والخطاب القومي الخبيث الذي يقول للناخبين، إنهم عما قريب سوف يغرقون أو ينكسرون، وأنه يتعين عليهم القتال والنضال من أجل استعادة بلادهم من العدو غير المسمى - تلك هي الأفكار التي تشكل العالم الذي نعيش فيه اليوم. وأجل، تلك هي نفس الأفكار التي سوف تلهم الرجال المجانين والقتلة في عصرنا الحاضر كذلك.

* خدمة: «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة