عودة فلسطين.. أم غزة؟

عودة فلسطين.. أم غزة؟

الأربعاء - 3 شهر رمضان 1437 هـ - 08 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13707]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
أنْ تصحو نهار عامك العشرين حالمًا أن انقشاع ليل فلسطين يدنو، وأن طريق عودتك من القاهرة إلى قطاع غزة سيمر بك عبر يافا، أو ربما تبدأ بأرض بئر السبع أولاً، ثم تتذكر أن القدس أوْلى، إذ كفاها أولوية أنها أُولى القبلتين، أن تنهض من نومك منتعشًا بطوفان كل تلك الآمال، فذلك حق لك مشروع. كيف لا، وقد أمضيت سنين صباك ومطالع شبابك عَطِشًا لكل نسمة هواء تستلقي على حافة رصيف بقايا ميناء غزة، متخيلاً أنها آتية من وراء سور عكا، أو لعلها أبحرت من ميناء حيفا. ذلك حلم عاشه جيلي بوعي تام. كنا على درجة يقين كافية لتحصين إيماننا إزاء أي تشكيك بقرب عودة فلسطين كلها. آخر ما خطر لنا أن حلم العودة من قطاع غزة إلى فلسطين سوف يُختزل، بعد حين، إلى الحلم بعودة أبناء القطاع المغتربين، طلابًا أو موظفين، إلى غزة ذاتها.
ها قد مرّت تسعة وأربعون عامًا منذ تدحرجت أمام أعين جيلي، نهار الخامس من يونيو (حزيران) 1967. كرة نار الهزيمة، فانكشف المستور، وإذا كل ما بنينا من أحلام ينهار بلمح البصر، لتحمله الرياح كأنه هباء منثور. هل أنا بصدد ملء هذا المساحة بما يضيف بكائية إلى ما تراكم مما كتبه غيري من جبال بكائيات هزائمنا غير المجيدة؟ كلا. لكن هل من الخطأ التساؤل عما آل إليه حال أكثر من جيل أتى بعد جيلي؟ المنطق يقول إن هذا التساؤل مشروع. وكيف لا يكون هذا التساؤل مشروعًا بينما أجيال من الفلسطينيين ما تزال تتجرع، جيلاً بعد جيل، مرارات حروب تُجر إليها جرًا، حروب تشنها إسرائيل، وأخرى يشعل فتيلها صراع التنظيمات الفلسطينية. هنا صورة ميدانية لحال شريحة من شبان غزة وشاباتها، الذين هم الآن في عشرينيات العمر، أنقلها من تقرير بثته أمس «نبا برس» عن أول أيام شهر رمضان، كما عاشته عائلات مُهجّرين من بيوتهم في غزة، إلى «كارافانات» داخل غزة ذاتها. تقول كاتبة التقرير منى حجازي: «أمام نار الحطب المستعرة، جلست العشرينية سوزان أبو هربيد تتصبب عرقًا، وهي تحاول الانتهاء من إعداد خبز الإفطار لعائلتها ليوم رمضان الأول. تخرج رغيفًا وتدخل آخر. الداخل مصيره مجهول، وأما الخارج فمصيره محتوم، تتسابق إلى قضمه أسنان أطفالٍ تحلّقوا حولها جياعًا. كانت تعطيهم برضا، ولسان حالها يقول بعد حمد الخالق على كل حال: (يا رب توب علينا من هالعيشة يا رب). سوزان واحدة من سكان كرفانات مدينة بيت حانون، شمال قطاع غزة، حالها كحال كل جيرانها الذين تعدّى عمر علاقتهم بالكرفان العام والنصف، بعد أن قررت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) إخراجهم من مدارسها التي آوَوْا إليها بعدما هدم الاحتلال بيوتهم في حرب الواحد والخمسين يومًا العام قبل الماضي؛ كلهم مثلها كانت عيونهم تحدق نحو المجهول. كلهم يتساءلون عن يوم الفرج، وكلهم يعدّون كرفاناتهم (سجونًا ملوّنة) فوق (أرضٍ ميتة)، وكلّهم أيضًا يعيشون رمضان اليوم وفي قلوبهم غصّة، وينظرون إلى الأمس حيث كان للشهر الكريم في بيوتهم نكهة أخرى لا يذوقون منها هنا إلا مرار الهجرة».
الصورة أعلاه مرفوعة إلى زعماء التنظيمات الفلسطينية كافة، بكل ألوان راياتها ونارية شعاراتها، الزعماء الذين نجوا من قضاء شهر رمضان في «كارفانات»، إنْ بغزة أو بأي أرض توجد فيها مقار لتنظيم فلسطيني مجهزة بأثاث، ومكتظة بموظفين، وتصدر عنها نشرات دورية، وربما صحف ومجلات، أو مواقع إنترنتية، إلى كل مسؤول فلسطيني ليس مضطرًا لتناول إفطار رمضان أمام كومة حطب مستعر، وإنما مع الأسرة، الرفاق، الإخوة، الأصحاب، اختر ما تشاء، المهم أن الوضع مريح، والطعام طيب المذاق، ما المشكل؟ لا شيء، لا شيء على الإطلاق، دعوا مهجّري «الكرفانات» داخل غزة يستعرون بحطب مواقد الإفطار، ودعوا مُعتري القطاع كله يعانون انقطاع الكهرباء في عزّ حر الصيف، ولكم أن تواصلوا ولاءات لكم، مقارها تتوزع بغير أرض في القارات الخمس، لكنها تفرض عليكم استمرار انقسامكم حتى إشعار مجهول، ولا بأس من استئناف مفاوضات مصالحاتكم، بين حين وآخر، أين المشكلة؟ فلتنتظر سوزان أبو هربيد أمام الحطب المُستعر، في «الكارفان» نفسه، حتى ترى أحفادها يولدون أمام الموقدة ذاتها!

التعليقات

محمود ديب
البلد: 
فلسطين
08/06/2016 - 06:20

عزيزي أستاذ بكر نحن بحاجة ماسة لمن يذكر ويؤكد على الحقوق الضائعة وها أنت تنكأ الجراح التي ما زالت تنزف وتضم إليها جراح أخرى تتدحرج ككرة الثلج على شعبنا في الخامس من يونيو 1967 حيث كنت في الخامسة عشر من عمري أودي امتحان التاريخ في مدرسة اليرموك الإعدادية عندما بدأت الحرب وفرحت فقد كنت أحلم مثلك بالنصر والعودة من كثرة ما سمعنا من شعارات وصحوات بعد ثلاثة أيام على الواقع الأليم بالهزيمة وأنا أسمع مكبرات الصوت الإسرائيلية تطلب من السكان رفع الرايات البيضاء على أسطح المنازل وإلا..، الأحلام تبددت في الماضي عندما كانت هناك دول وجيوش عربية ومقاومة فما بالنا الآن فيما يسمى الربيع العربي وما آل إليه حالنا، ملايين اللاجئين العرب يتركون أوطانهم ويموتون في البحر بفضل تحالف أشقائنا مع العدو ندمر بأيديهم وأيدينا، أفضل ألا ننام لكي لا نحلم!

عصام هاشم
البلد: 
العراق
08/06/2016 - 10:18

قصيدة الشاعر الكبير احمد مطر عائدون تعبر عن معاناة الشعب الفلسطيني ووصف الذين يتشدقون بانهم اوصياء عليها .
هرم الناس وكانوا يرضعون،

عندما قال المغني عائدون،

يا فلسطين وما زال المغني يتغنى،

وملايين ا للـحـو ن،

في فضاء الجرح تفنى،

واليتامى من يتامى يولدون،

يا فلسطين وأرباب النضال المدمنون،

ساءهم ما يشهدون،

فمضوا يستنكرون،

ويخوضون ا لنضا لات على هز القنا ني

وعلى هز البطون،

عائدون،

ولقد عاد الأسى للمرة الألف،

فلا عدنا ولاهم يحزنون!

ام احمد
البلد: 
فلسطين
08/06/2016 - 10:57

سوزان العشرينية تنتظر إخراجها من كارافان الهوان وانا الستينية وزوجي ننتظر فتح معابر الخروج من السجن الغزاوي ليتسنى لنا ترميم وعلاج عظامنا وتغيير هوائنا والشعور بشيء بسيط من ادميتنا قبل ان يدركنا الموت داعين على كل من تسبب في ايذائنا شكرا للكاتب ان لامس عذاباتنا ولو عن بعد

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
08/06/2016 - 10:59

استاذ بكر عويضة
غزة غالية عليكم وعلينا فقد زرتها فى رحلة مع الشركة التى كنت اعمل بها فى عام 1964 اى بعد حرب 56 وقبل حرب 67 وقضينا بها عدة ايام فى جوها الساحر الجميل ومناظرها الخلابة , الا اننى اسفت اشد الاسف حينما قال لى بعض ابنائها مالكم وما لنا يامصريين احنا مبسوطين مع اليهود وهنا شعرت بالانقسام بين الفلسطينيين , وفى رايى ان غزة هى جزءعزيز من فلسطين وان غزة هى التى يجب ان تعود الى الام فلسطين , يجب ان يصبح الشعب الفلسطينى شعبا واحدا تحت قيادة وطنية واحدة كخطوة لتحقيق الامل وهو انشاء دولة فلسطين الحرة المستقلة

الروائي خلوصي عويضه
البلد: 
فلسطين
09/06/2016 - 00:39

لا بأس ان تصرخ كلماتنا وان كانت صيحة في واد سحيق فمن غير همس لامس المقال مناطق محظورة فقدم خلاصة الخلاصة لكن المؤلم المحير ماذا بعد؟ الي متى الايجابة عن هكذا سؤال مشروع ستبقى معلقة في فضاء المتاهات وخوف المالات المعتمة كيف يمكن لشىء ان يولد من لا شىء طالما اصبحنا اشبه بالاشىء المقدس فمسلسل الهزائم النفيسه على مستوى الوطن العربي يتابع ركضه الجنوني كأننا في سباق محموم نحو الهاوية..يبدو بل مؤكد ليس لها من دون الله كاشفة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة