د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

النساء والسياسة والآيديولوجيا

إذا ما ابتعدنا عن خطاب تلميع الصورة والتضخيم السياسي، فإن النظرة الواقعية الصادقة تنتهي بنا إلى الإقرار بأن النساء العربيات المسلمات يعشن في فضاء ثقافي حضاري، يمنعهن من نحت كينونة ثقافية اجتماعية حرة. بل قد نمضي أكثر في درب الموضوعية، فنستخلص ما هو أكثر مفاجأة، وهو أن حتى الرجال في مجتمعاتنا ليسوا ذواتًا حرة بالمعنى الثقافي العميق للحرية. وهم كذلك لأن المرأة ليست حرة، ولن تتحرر مجتمعاتنا إلا إذا اشتغلنا بصدق وإخلاص وجدية على موضوع حرية المرأة بعيدًا عن مزايدات السياسة وقهر الآيديولوجيات.
وإذ نطرح هذا الموضوع بالذات، وفي اللحظة الراهنة، فلأن موضوع المرأة أصبح مظهر مزايدة في بلداننا اليوم. وكما هو معروف، فإن كل ما هو غير حقيقي لا يثمر حتى وإن بدت أشجاره مثقلة بالثمار.
ولما كان موضوع المرأة من مفاتيح نهضة الثقافة العربية، فإن العقل يفرض علينا الوقوف بالمرصاد ضد مظاهر المزايدات والتوظيف والاستعمال الموجه للمرأة صورة وعلامة ودورًا. فالغالب على خطابات مكونات الحقول السياسية والمدنية في بلداننا الاستثمار الانتهازي المزيف لمسألة حرية المرأة وحقوقها. فهي ورقة سياسية أكثر منها مقاربة تحررية جدية صادقة لمسألة المرأة.
واللافت للانتباه أن منسوب الجدية والمصداقية في طرح قضية المرأة بدل أن يتضاعف اليوم بحكم تعالي أصوات الحرية وحقوق الإنسان، نراه في تراجع محبط.
ويكفي أن نقارب كيفية معالجة مسألة المرأة في برامج أحزابنا، وفي خطابات ودعوات مكونات الحقل المدني في مجتمعاتنا مع منزلة المرأة في المشروع البورقيبي التحديثي عند بناء الدولة الوطنية التونسية حتى نتبين الفرق في المصداقية وجدية الرهان، حيث كان هناك في خصوص طرح مسألة المرأة اعتقاد راسخ وحماسة لافتة ووعي عميق بأهمية المرأة في المجتمع ومعركة «الجهاد» ضد التخلف بأنواعه كافة.
اليوم غابت المصداقية، وأصبحت قضية المرأة في بعض الدول العربية تجارة سياسية وحقوقية مربحة لجميع المستثمرين باستثناء المرأة. ذلك أن الأحزاب المحسوبة على الإسلام السياسي، تحاول توظيف المرأة لتدفع عن نفسها شبهة الرجعية وهيمنة الفكر الذكوري ومعارضتها لحرية المرأة، وهو ما يفسر الحرص على تقديم وجوه تسهم علاماتيًا وخطابًا وحضورًا وانفتاحًا في دفع الشبهة المذكورة.
وهنا لا بد من التنبه إلى أن توظيف المرأة خاصية أساسية ومرتبطة بنشأة الإسلام السياسي وبالمخاضات التي عرفها. فهي - أي مسألة المرأة - في مرحلة النشأة والتأسيس قد مثلت أهم مضامين الإسلام السياسي وقاعدته الاجتماعية وعلى أكتافها حملت جوهر مشروع هذه الحركات وكيفية تصوره لتقسيم الأدوار والعلاقات الاجتماعية. وفي مرحلة المشاركة السياسية وإظهار التطور في المشروع والمراجعة، رأينا في تجارب كثيرة كيف تم استدعاء موضوع المرأة أيضًا لتسويق المتغير في الخطاب ذاتًا وموضوعًا.
وفي الحقيقة ما ينطبق على أحزاب الإسلام السياسي ينطبق على بقية المرجعيات السياسية الأخرى، إذ إن الأولى تركز على علاقة ما يسمونه المقدس الديني بالمرأة، والأخرى تربط بشكل عضوي بين المرأة والحداثة.
وفي الحقيقة، فإنه فكريًا ومبدئيًا لا يمكن تصوُّر مشروع للتغيير الاجتماعي دون ربطه بمسألة المرأة. ولكن ما يثير الانتباه حقًا أن هذا الربط، يفتقد، كما أسلفنا الذكر، المصداقية والجدية ويطغى عليه التوظيف السياسي المرحلي الآني الضيق والمصلحي.
وفي الحقيقة يبدو لنا أن المشكلة التي بدأت تنكشف اليوم أكثر من ذي قبل إنما تتمثل في ظاهرة تواطؤ المرأة ذاتها في عملية التوظيف هذه. ونقصد تحديدًا تواطؤ النخب النسائية التي من أجل الظفر بمقعد في مجلس الشعب، أو أن تكون ضمن قوائم كبار الموظفين في الدولة أو غير ذلك، فإنها تنخرط في لعبة التوظيف، فتصبح بذلك الانتهازية السياسية سلوكًا مهيمنًا على الطرفين، وهو ما يعني أن للمرأة دورًا أساسيًا في تأكيد ظاهرة الزيف السياسي والحقوقي في معالجة مسألة المرأة في فضائنا العربي الإسلامي. بل إننا اليوم يمكن أن نتحدث عن انشقاق داخل النخب النسائية نفسها: جزء في حالة تواطؤ مع لعبة التوظيف الظرفي، وجزء رافض للخطاب برمته ويدافع عن عمق قضية المرأة في علاقتها بمشروع مجتمعي تقدمي كامل.
يبدو لنا أن دخول بعض النخب النسائية على خط التوظيف والانخراط في اللعبة الواهمة - بقصد أو بغيره - يسهم في إهدار الوقت والمكاسب، بدليل ظواهر الانتكاسة والرجعية والراديكالية في تصور بعض الشباب العربي للمرأة.
بيت القصيد: ما زالت المرأة موضوعًا للتجاذب والتوظيف. وإذا كان في السابق التجاذب السياسي والآيديولوجي حول المرأة ذكوريًا محضًا، فإنه اليوم قد عرف تحولاً نوعيًا، يتمثل في انخراط نساء من النخب في لعبة التوظيف دون أن يوازي ذلك جهد يقوم على التدارك الواعي من خلال تقديم فعل، يؤكد ذات المرأة ويُخرجها من دائرة الموضوع التاريخية.