صناعة الجهل

صناعة الجهل

الجمعة - 5 شعبان 1437 هـ - 13 مايو 2016 مـ رقم العدد [13681]
بول كروغمان
اقتصادي اميركي

في حقيقة الأمر، إن دونالد ترامب لا يعرف شيئا. وهو أشد جهلا بالسياسة بأكثر مما نتصور، حتى إذا ما أخذت في الاعتبار حقيقة أنه فعلا أجهل مما يمكن أن تتخيل، لكن جهله ليس من النوع الفريد كما يبدو للبعض: فمن نواحٍ كثيرة، أنه لا يصنع أكثر من تصريف الهراء والهذيان على نطاق واسع داخل حزبه، وداخل طبقات الثرثرة العامة في كثير من الأحيان.
كشف المرشح الرئاسي الجمهوري المفترض - الذي يصعب كثيرا تصديقه لكن إليكم ما قال - مؤخرا عن خطته لجعل أميركا أمة عظمى مرة أخرى. وفي المقام الأول، تتضمن الخطة إدارة البلاد مثل الكازينو الخاسر: وهو يستطيع، كما أكد مرارا: «إبرام الصفقة» مع الدائنين، التي من شأنها التقليل من أعباء الديون إذا ما خابت مساعيه للنمو الاقتصادي ولم ترجع بالنتائج المرجوة.
وكانت ردود الفعل من كل من لديه أدنى معرفة بالتمويل أو الاقتصاد عبارة عن مزيج من الرعب والدهشة. فليس من الطبيعي أن يقترح أحدهم التعريض بسمعة الولايات المتحدة أو التخلي عنها، والمؤسسة بكل عناية، بوصفها المدين الأكثر دقة في العالم، وهي السمعة التي تعود حتى ألكسندر هاملتون.
إن الحل الذي يقترحه ترامب، من بين أمور أخرى، سوف يحرم الاقتصاد العالمي من أكثر الأصول أمانا، وهو ديون الولايات المتحدة، في الوقت الذي تعد فيه الأصول الآمنة من السلع النادرة.
بطبيعة الحال، يمكننا أن نكون على يقين أن السيد ترامب لا يعرف أي شيء مما يقول، وليس هناك أحد في حاشيته المقربة يمكنه أن يخبره بالأمر. لكن دعونا نسأل من أين تأتي أفكاره السيئة.
أولا وقبل كل شيء، يعتقد ترامب أن الولايات المتحدة يمكنها وبسهولة أن تجد نفسها في مواجهة أزمة ديون كبيرة. لكن لماذا؟ بعد كل شيء، فإن المستثمرين، الذين هم على استعداد لإقراض الولايات المتحدة بأسعار فائدة متدنية للغاية، ليسوا على ذلك القدر من القلق حول ديوننا. وهناك سبب وجيه لذلك الهدوء من جانبهم: ألا وهو أن مدفوعات الفوائد الفيدرالية لا تجاوز 1.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، أو ما يساوي 6 في المائة من إجمالي النفقات.
وتعني تلك الأرقام أن، على حد سواء، أعباء تلك الديون صغيرة بدرجة ما، وأن التنصل التام من هذه الديون سوف يرده بتأثير طفيف على مستوى التدفقات النقدية الحكومية.
فلماذا يتحدث السيد ترامب عن هذا الموضوع في المقام الأول؟ حسنا، إحدى الإجابات المحتملة هي أن كثيرا من المواطنين الجادين كانوا يتابعون عن كثب الضجة الثائرة حول التهديدات المزعومة، التي يشكلها الدين الفيدرالي على اقتصاد البلاد لسنوات طويلة. على سبيل المثال، حذر بول راين، رئيس مجلس النواب في الكونغرس، مرارا وتكرارا من «أزمة الديون التي تلوح في الأفق». وفي واقع الأمر، وحتى وقت ليس بالبعيد كانت النخبة السياسية الفيدرالية تبدو واقعة في قبضة اللجنة الوطنية للمسؤولية المالية والإصلاح، مع تأكيدها أن الدين الفيدرالي هو التهديد الأكبر الذي يواجه الأمة.
كان كثير من الهيستريا المتعلقة بالدين الفيدرالي تتعلق فعلا بالضغط لأجل وقف الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وهو السبب في أن كثيرا من الصقور الماليين كانوا حريصين على خفض الضرائب على الأغنياء كذلك. ولكن السيد ترامب على ما يبدو ليس على ذلك القدر من الذكاء، ويأخذ من فزاعة الدين الفيدرالي الزائفة على محمل الجدية. بكل أسف!
ومع ذلك، حتى مع اعتبار إساءة فهمه حول الوضع المالي، فكيف يمكنه أن يتصور أنه سيكون على ما يرام بالنسبة للولايات المتحدة أن تعجز عن سداد ديونها؟ وإحدى الإجابات هي أنه يقدر استقرائيا من تاريخه المهني، الذي استفاد فيه كثيرا عن طريق إدارة الديون، ثم التخلي عنها بالكلية.
ولكن من الصحيح أيضا أن كثيرا من أعضاء الحزب الجمهوري يتشاركون إحساس اللامبالاة حول العجز عن سداد الديون. ولنتذكر، أن جناح الكونغرس في الحزب الجمهوري تعمد الحصول على تنازلات من الرئيس أوباما، باستخدام تهديدات العجز الافتراضي من خلال رفض رفع سقف الدين.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة