ليستر والعولمة

ليستر والعولمة

الخميس - 5 شعبان 1437 هـ - 12 مايو 2016 مـ رقم العدد [13680]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

هناك قصة «مذهلة» أسرت ألباب المتابعين للشأن الرياضي العالمي عموما والشأن الكروي منه تحديدا، وهي قصة فوز فريق ليستر سيتي المتواضع والمغمور ببطولة الدوري الممتاز في إنجلترا، تلك البطولة التي تشهد أهم الصراعات بين كبار الأندية من عينة مانشستر يونايتد وتشيلسي وليفربول وآرسنال ومانشستر سيتي، وهي أندية ملاكها من روسيا وأميركا والإمارات العربية المتحدة.
القصة درامية ومحببة في مخيلة الملايين الذين يتعاطفون مع الضعيف صاحب الفرصة الأقل في مواجهة الأقوياء وأصحاب النفوذ، هذا هو أساس «الحبكة الدرامية» للقصة، ففريق ليستر كان في ذيل القائمة الموسم الفائت، وإجمالي ما صرفه المالك التايلندي للفريق على اللاعبين بالكاد يساوي ربع فريق من الفرق الكبرى في موسم واحد، ومع ذلك جاءت النتيجة هائلة انتهت بفوز الفريق بالبطولة وهزيمة على الطريق لفرق أهم وأقوى منه. وطبعا انطلقت التحليلات والآراء التي تحاول «فهم» و«دراسة» أسباب ما حصل، وكان من اللافت ربط ما حصل بالتطور الاجتماعي والاقتصادي الذي حدث في مدينة ليستر نفسها، وكيف أنها تحولت مع الوقت إلى نقطة جذب للأقليات ومجتمع متعدد المواهب، بل إن هذا التطور الذي حصل للمدينة كان بسبب مهارات تم استقطابها من شتى أنحاء العالم ليتم تحسين المناخ الاستثماري فيها. ليستر مدينة إنجليزية تقليدية كانت قديما تعتمد على صناعة الملابس والنسيج والأحذية حتى تدمرت بنيتها الاقتصادية، بسب المنافسة الشرسة من المنتجات المستوردة من شرق آسيا ذات الأسعار المنخفضة جدا، ووقتها حدث أن طرد الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين كافة التجار من أصول هندية من أوغندا، وجاء أكثر من 130 ألفا منهم جميعا إلى ليستر وكونوا نواة لاقتصاد خدمي جديد ومختلف في قطاعات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بنجاح لافت ومتطور.
وعدد سكان ليستر الذي يصل إلى 375 ألف نسمة يجعلها قابلة للإدارة الحسنة، خصوصا أن بها نظاما للانتخاب المباشر لمنصب العمدة، وهي واحدة من خمس مدن في بريطانيا فيها ذلك الأمر، وبالتالي القرار الخاص بتطوير المنشآت وتقديم الخدمات للمدينة كان أسرع وأهم وبأقل قدر من التعقيد البيروقراطي.
الرسالة المهمة في كل ذلك الأمر أن توفير المناخ الصحيح يولد النجاح، فالنجاح يجر نجاحا، وليس مهما هنا بحث أيهما أتى أولا البيضة أم الدجاجة، بمعنى هل المدينة وجاهزيتها هي التي ولدت نجاح فريق كرة القدم، أم أن نجاح الفريق سيلهم المدينة بأسرها؟
ولعل هناك رسالة أخرى أوصلها نجاح فريق ليستر المؤهل هي أن العالم يرحب بمنظومة عالمية، فريق من مدينة أغلب سكانها من المهاجرين (وهي واحدة من ثلاث مدن أخرى في بريطانيا بنفس الحالة) يملكه رجل أعمال تايلندي نجمه الأهم لاعب من أصول جزائرية، مدربه إيطالي يؤكد أنه لا مكان للعنصرية والتمييز، وأن العقلية المتخلفة تنهزم أمام النموذج الأممي الناجح.
ليستر سر نجاحه أنه فريق نتاج فكر العولمة المطبق بشكل عملي، ولذلك لقي التعاطف الهائل من كافة أنحاء العالم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو