خطر التضليل الإعلامي

خطر التضليل الإعلامي

الثلاثاء - 2 شعبان 1437 هـ - 10 مايو 2016 مـ رقم العدد [13678]

منذ خمسة عشر عامًا ماضية، بدت فكرة أن المعلومات المضللة الصادرة عن مصادر أجنبية قد تمثل مشكلة لدول أوروبية، مثيرة للسخرية. وفي ذلك الوقت، بدت حرية الإعلام قد حققت نصرًا لا يقل عما حققته حرية السوق؛ حيث تمتعت التلفزيونات والصحف الغربية بتمويل جيد وجماهير واسعة. لكن النموذج التجاري الذي سبق له دعم وسائل الإعلام عبر مختلف جنبات القارة الأوروبية، بل الغرب بأكمله، لم يعد فاعلاً؛ حيث تعاني كثير من المؤسسات الصحافية الغربية الآن ضعفا في الموارد، وكان من شأن انتشار المعلومات زيادة صعوبة إصدار الأفراد العاديين أحكامًا على مدى دقة المعلومات التي يعاينوها ويقرأونها.
في الوقت ذاته، وجهت أنظمة غير رأسمالية، بقيادة روسيا وتأتي بعدها مباشرة الصين، استثمارات ضخمة لإنتاج بدائل. ونظرًا إلى وهن وسائل الإعلام الوطنية في أغلب الأحوال، أصبح من الأيسر بكثير بالنسبة إلى قنوات مثل «آر تي» (التي كانت تعرف من قبل باسم «روسيا اليوم») و«سبوتنيك» (وكالة أنباء روسية)، من أجل بناء مصداقية لها داخل أسواق أوروبية أصغر. لكنه حتى داخل الدول الأكبر، بدأ الاستغلال الروسي لوسائل التواصل الاجتماعية وعدد هائل من أدوات التواصل الأخرى عبر الإنترنت - مثل مواقع إلكترونية معنية بالأخبار - يؤتي ثماره بالفعل. من جانبها، أوكلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لوكالة الاستخبارات الألمانية، مهمة التحقيق بخصوص الاستغلال الروسي للدعاية داخل ألمانيا، بعدما تحولت قصة مفبركة عن فتاة تعرضت للاغتصاب على يد أحد اللاجئين إلى فضيحة كبرى؛ الأمر الذي وقفت وراءه عدة أسباب منها جهود روسية منظمة عبر الإنترنت.
اللافت أن الرسائل الحالية ليس هناك ما يربطها بالدعايات التي سادت حقبة «الحرب الباردة»؛ حيث لا تسعى روسيا هنا للترويج لنفسها، وإنما لتقويض مؤسسات الغرب، غالبًا باستخدام رسائل متضاربة. من جانبها، تتعمد «آر تي» الترويج لقصص مخيفة عن اللاجئين، وتصوير الغرب باعتباره عنصريًا ومعاديًا للأجانب. كما تعمد المواقع الإلكترونية المدعومة من موسكو إلى الترويج لنظريات المؤامرة - مثل أن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) صناعة أميركية، وأن «زيكا» من إنتاج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» - مع العمل في الوقت ذاته على السخرية من الأعمال الصحافية الاستقصائية الممتازة الصادرة في الغرب التي تكشف عن صلات بين كيانات سياسية ومؤسسات تجارية والجريمة المنظمة ووكالات استخباراتية داخل روسيا.
والملاحظ أن تلك الرسائل، التي تسارع أحزاب سياسية من أقصى اليسار وأقصى اليمين عبر أوروبا لالتقاطها والترويج لها، تتناغم مع أهداف السياسة الخارجية للكرملين. المعروف أن الاتحاد الأوروبي يمثل هدفًا مهمًا بالنسبة إلى هذه السياسة؛ الأمر الذي لا يدعو للدهشة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي اضطلع به الاتحاد في تقليص اعتماد القارة الأوروبية على الغاز الطبيعي الروسي، وتفكيك النموذج الروسي لتصدير الغاز الطبيعي داخل شرق أوروبا، الذي غلب عليه الفساد والاستغلال. أما حلف «الناتو» فدائمًا ما يجري تصويره كجهة «معتدية». والملاحظ أن الحلف بدأ متأخرًا في إدراك الخطر الحقيقي الذي تشكله روسيا تجاه بعض أعضائه.
والواضح كذلك أن بعض الدول بدأت تنتبه لهذا الأمر، خاصة تلك التي تعرضت للضربات الأشد. جدير بالذكر أن غزو واحتلال وتفكيك أوكرانيا عام 2014، سبقته حملة دعائية بالغة الفاعلية نجحت في تأجيج الاضطرابات داخل المناطق الناطقة بالروسية وتشتيت انتباه الأوكرانيين والغربيين على حد سواء عن حقيقة ما يجري. في المقابل، شرعت مؤسسات أوكرانية، مثل «ستوب فيك»، في فضح الدعايات الروسية والسخرية منها. كما أُطلق مشروع ضخم بهدف تثقيف المواطنين إعلاميًا، علاوة على نقاش عام بخصوص دور جهات البث العامة في إعادة بناء مصادر معلومات موثوق بها داخل أوكرانيا.
أيضًا، كانت هناك محاولات أوسع نطاقًا لتناول المشكلة. على سبيل المثال، أجرى «ذي يوروبيان إنداومنت فور ديمكراسي» (نظير أصغر كثيرًا لـ«ناشونال إنداومنت فور ديموكراسي») تحليلاً شاملاً لوسائل الإعلام الناطقة بالروسية، ونطاقها وتأثيرها. من جانبها، تتولى «الخدمة الأوروبية للعمل الخارجي»، ذراع السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، تجميع نشرات إخبارية أسبوعية مضللة، في محاولة لتعقب نشاطات مختلقي الخرافات والأكاذيب التابعين للكرملين. كما أسست دول «الناتو» مركزًا صغيرًا في لاتفيا للرد على المعلومات الروسية المضللة.
ومع ذلك، أخفقت الولايات المتحدة حتى الآن في توجيه استثمارات جادة لجهود تفهم أو التصدي لهذه المشكلة. والملاحظ أنه ما من مكافئ عصري للوكالة الأميركية للمعلومات، مؤسسة كانت مخصصة للرد على الدعايات والمعلومات المضللة السوفياتية في أثناء الحرب الباردة. وعلى الرغم من توافر بعض التمويل الإضافي لجهات بث أجنبية مدعومة من الولايات المتحدة، مثل «راديو أوروبا الحرة»، فإنها ما تزال عاجزة عن تقديم استجابة كاملة.
ويعود أحد الأسباب وراء ذلك، إلى أن السوق الإعلامية الأميركية بالغة الضخامة، علاوة على استمرار عدم تفهم كيفية عمل مروجي المعلومات المضللة بشكل كامل هنا. وبالتأكيد، لا تتوافر قاعدة بيانات تحليلية عامة لما تقوله موسكو ومتى وأين. كما أن أحدًا - بما في ذلك مجتمع الاستخبارات الغربية - لا يهتم بجمع النصوص والمخطوطات. كما أننا لا نعلم على وجه التحديد أي عناصر الرسالة الروسية تتميز بالفاعلية، ومن يصدقها ولماذا. وقد حان الوقت لسبر أغوار كل هذا، خاصة أن دولاً أخرى، خاصة الصين، شرعت في اتباع الأساليب ذاتها. منذ خمسة عشر عامًا، بدت حرية الصحافة أمرًا لا يمكن الوقوف بوجه. وبعد 15 عامًا من الآن، قد نجد أنفسنا، مثل أوكرانيا منذ عامين، في مواجهة حملات من المعلومات المضللة من دون أن نكون مستعدين للتصدي لها.


* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة