لافروف يعلن عن اتفاق وشيك لضم حلب إلى وقف إطلاق النار

التقى دي ميستورا وبحثا مجمل جوانب العملية السياسية السورية

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى استقباله دي ميستورا في موسكو أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى استقباله دي ميستورا في موسكو أمس (أ.ب)
TT

لافروف يعلن عن اتفاق وشيك لضم حلب إلى وقف إطلاق النار

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى استقباله دي ميستورا في موسكو أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى استقباله دي ميستورا في موسكو أمس (أ.ب)

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن «العسكريين من الولايات المتحدة وروسيا على وشك إنجاز اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة حلب»، متوقعا الإعلان عنه خلال ساعات. وفي مؤتمر صحافي مشترك عقب محادثات أجراها لافروف مع المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، الذي وصل إلى العاصمة الروسية يوم أمس في زيارة عاجلة، وصف الوزير الروسي محادثاته مع دي ميستورا بـ«المثمرة والمفيدة جدًا»، لافتًا إلى توافق الجانبين على أن «قرارات المجموعة الدولية لدعم سوريا التي أيدها مجلس الأمن الدولي بقراريه 2254 و2268 تتضمن كل معايير التسوية وفي كل مجالاته، السياسي والعسكري والإنساني»، مشددًا على أهمية أن تبقى هذه الوثائق «أساسًا لجهود كل الأطراف في تسوية الأزمة السورية».
من جانب آخر لم يستبعد وزير الخارجية الروسي احتمال عقد لقاء «في المستقبل المنظور» لـ«المجموعة الدولية لدعم سوريا». وبعدما أشار إلى أن كل الوثائق الخاصة بالتسوية السورية تم اعتمادها، شدّد لافروف على ضرورة أن لا يكون الهدف من الاجتماع المقبل تعديل أو تغيير الوثائق المذكورة والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي، بل البحث ربما في بعض تفاصيل آليات تنفيذها» حسب قوله. ومن دعا في غضون ذلك إلى «التحضير بشكل جيد» لذلك الاجتماع كي يخلص إلى «فائدة إضافية». أما في الجانب العسكري من الأزمة السورية واتفاق وقف إطلاق النار فقال وزير الخارجية الروسي إن محادثاته مع المبعوث الدولي ركزت بشكل كبير على موضوع وقف إطلاق النار، وأشار إلى أن بيانات وزارة الدفاع الروسية تؤكد انضمام 90 منطقة سكنية إلى وقف الأعمال العدائية، متهما «بعض القوى» بأنها تحاول تقويض وقف إطلاق النار، ليؤكد بعد ذلك على ضرورة عدم السماح بتقويض وقف إطلاق النار.
في الشأن ذاته أعلن لافروف عن تمديد العمل باتفاق الهدنة الأخير المعروف باسم «يوم الصمت» لافتًا إلى أن الجهود الأميركية - الروسية منصبة حاليا على جعل ذلك الاتفاق مفتوح الأجل، كاشفًا عن تشكيل مركز أميركي - روسي مشترك سيتم افتتاحه خلال أيام في جنيف لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا. وأعرب عن قناعته بأن «هذا المركز سيكون أكثر فعالية لأن العسكريين الأميركيين والروس سيعملون لأول مرة وجها لوجه، وخلف طاولة واحدة، ومعهم الخرائط، سيبحثون معا المستجدات والتطورات الميدانية وسيتخذون القرارات المناسبة للرد وردع انتهاك وقف إطلاق النار». ومن دون أن يوضح ما إذا كانت تدابير التعامل مع القوى التي تنتهك وقف إطلاق النار ستشمل إجراءات عسكرية ضدهم، اكتفى لافروف بالقول إن كل هذه التفصيل جاء ذكرها بالتفصيل في الخطة الأميركية - الروسية التي جرى ضمها كملحق إلى القرار 2268.
على صعيد آخر، بعدما أعاد لافروف إلى الأذهان أن القرار 2254 يستثني من وقف إطلاق النار المجموعات الإرهابية مثل «جبهة النصرة» و«داعش» وغيرهما من منظمات إرهابية بموجب قائمة مجلس الأمن، اشتكى من صعوبة توسيع المناطق التي يشملها اتفاق وقف إطلاق النار بالسرعة المطلوبة، وحمّل الولايات المتحدة مسؤولية ذلك، حين قال: «إن الشركاء الأميركيين كثيرًا ما يطلبون منا أن نأخذ بالحسبان خلال تحديد المناطق التي لا يشملها وقف إطلاق النار أنه هناك فصائل معارضة في تلك المناطق، ومواقعهم مختلطة وقريبة من مواقع جبهة النصرة». وأردف أن هذا «كان أحد أهم المواضيع التي يبحثها الجانب الروسي بشكل دائم مع الشركاء الأميركيين»، مشددا من جديد على «ضرورة أن تبتعد المعارضة عن المناطق الخاضعة لسيطرة تلك المجموعات الإرهابية - على حد وصفه - كي تتمكن القوى الدولية من توسيع المناطق التي يشملها اتفاق وقف إطلاق النار».
من جانبه قال دي ميستورا إن مخاوفه من أن تكون النتيجة النهاية لكل الجهود المضنية التي تم بذلها «لا شيء» هي التي دفعته إلى طلب إجراء مشاورات عاجلة مع المسؤولين الروس. وأوضح أنها أتى لبحث هذا «الوضع الخطير»، وضرورة المضي قدما في العملية السياسية السورية المهددة. وبعدما عرض النتائج الإيجابية التي حققتها الجولة الأولى من المفاوضات، أشار المبعوث الدولي إلى الأجواء المشحونة التي رافقت الجولة الثانية والتي بدت مهددة بسبب الإعلان عن أن وقف إطلاق النار أصبح هشًا حسب وصفه، مؤكدًا أنه أراد من جولته الحالية «لفت انتباه الجميع إلى أن العملية السياسة في خطر الآن».
وكان لافتًا أن دي ميستورا كرّر عبارة لم تلاق رضا وقبول موسكو حول وقف إطلاق النار، وهي عبارة «إعادة إطلاق العمل باتفاق وقف إطلاق النار». إذ ترى روسيا أن استخدام هذا التعبير يوحي بأن دي ميستورا يرى أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يعد ساريًا على الأرض، في حين تصر موسكو على اعتباره ساريا باستثناء «التصدي للإرهاب» حسب زعمها. ورغم هذا الموقف الروسي قال دي ميستورا خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع لافروف يوم أمس «لدي شعور الآن أنه بوسعنا من جديد إطلاق نظام وقف إطلاق النار»، وأشار إلى أن «السوريين يريدون أن يسمعوا أنه لن يكون هناك بعد اليوم صواريخ وقنابل، لذلك رأى في الإعلان عن اتفاق وشيك لضمن حلب لوقف إطلاق النار بارقة أمل»، معربًا عن قناعته بأنه «إذا تم التوصل إلى هذا الأمر (توسيع مناطق سريان وقف إطلاق النار) فسنكون على المسار الصحيح».
من ناحية ثانية، كشف دي ميستورا عن الخطوات اللاحقة التي ينوي اتخاذها في إطار جهوده لإنقاذ العملية السياسية ومفاوضات جنيف، وأشار بهذا الصدد إلى أن الخطوة التالية هي التحضير لاجتماع «المجموعة الدولية لدعم سوريا»، من دون أن يستبعد احتمال عقد اجتماع لمجلس الأمن على خلفية نتائج اجتماع المجموعة الدولية. وبعد ذلك، حسب قول المبعوث الدولي، ستكون الخطوة التالية هي التحضير للجولة المقبلة من مفاوضات جنيف «التي يجب أن تشكل بداية نهاية الأزمة لأن الكلمة المفتاحية فيها هي مرحلة الانتقال السياسي». واعتبر دي ميستورا شهر مايو (أيار) الحالي «شهرًا مهمًا جدًا للسوريين ولجميع الأطراف المنخرطة في جهود التسوية السورية»، معربا عن أمله بأنه «في حال تم تأكيد أن حلب كما نأمل قد عادت إلى نظام وقف إطلاق النار، فيمكننا أن نتوقع أننا سنستأنف المفاوضات وسنعيد تحريك المسار الإنساني».
أخيرًا، مصير الأسد لم يكن غائبًا عن المؤتمر الصحافي المشترك للوزير لافروف والمبعوث الدولي دي ميستورا، وفي إجابته على سؤال حول «تعنت البعض» في مطلبهم بشأن رحيل الأسد، كرّر لافروف موقف موسكو المعروف القائل بأن تتخذ القرارات بهذا الشأن «من خلال المفاوضات بين الحكومة وكل أطياف المعارضة السورية»، بينما أشار دي ميستورا إلى أنه ينطلق في عمله على أساس قرار مجلس الأمن الدولي، لافتًا إلى أن الحديث يدور عن «جهاز انتقالي جديد يليه، ومن خلاله، يجري وضع دستور جديد ومن ثم تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة».



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.