صراع الأجنحة الحوثية يعطل «التغييرات الجذرية» المزعومة

تنافس شديد على المناصب... ونذر تصفيات بينية

أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
TT

صراع الأجنحة الحوثية يعطل «التغييرات الجذرية» المزعومة

أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)

بينما يتنافس قادة حوثيون من أجل الحصول على مناصب في الحكومة التي تزمع الجماعة تشكيلها في إطار «التغييرات الجذرية» المزعومة، بدأ قادة آخرون اتخاذ احتياطاتهم لتأمين أنفسهم وعائلاتهم؛ تحسباً لأي إجراءات قد تطالهم سواء بالاغتيالات أو الاختطاف أو الإحالة إلى المحاكم.

وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء أن عدداً كبيراً من القيادات الوسطية والميدانية تراجعت عن المطالبة باستحقاقاتها من المناصب والنفوذ، بعد أن ظهرت بوادر جديدة لتصاعد الصراع بين مختلف الأجنحة والقيادات، خصوصاً بعد إعلان زعيم الجماعة الحوثية في سبتمبر (أيلول) الماضي «التغييرات الجذرية»، وبدأت بإقالة الحكومة غير المعترف بها، وتكليفها بـ«تصريف الأعمال».

يطالب القادة الميدانيون في الجماعة الحوثية باستحقاقاتهم من النفوذ بعد توقف الجبهات (إعلام حوثي)

وذكرت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الصراع على المناصب والنفوذ، في إطار المساعي إلى تشكيل حكومة جديدة، انحصر بين قيادات الأجنحة التي تسعى إلى تعيين موالين لها ومحسوبين عليها في المواقع الحساسة في الحكومة، وأن الخلافات لا تقتصر على مناصب الوزراء ونوابهم، بل امتدت لتشمل الوكلاء ومديري العموم وحتى مديري الأقسام والإدارات.

وتدرس قيادات الجماعة الحوثية خيارات عدة لتجاوز الخلاف وعدم تصعيده، ومن ذلك إنشاء مزيد من الكيانات الموازية لمؤسسات الدولة بهدف توزيع حصص الأجنحة عليها.

وطبقاً للمصادر، فإن القيادات الجبهوية والميدانية التي تبحث عن استحقاقاتها من أموال الفساد والجبايات والمناصب، انقسمت إلى فريقين؛ ينتمي الأول إلى عائلات وأسر ذات علاقات قوية بقيادات الجماعة والأجنحة، ويحظى بدعمها، ولديه الجرأة للتصعيد والمطالبة باستحقاقاته، في حين لا يحظى الفريق الثاني بتلك الامتيازات، ويخشى أفراده التنكيل بهم حال أصروا على مطالبهم.

وتضيف المصادر أن زعيم الجماعة الحوثية اتخذ من أحداث غزة مبرراً لعدم حسم تشكيل الحكومة، وطالب مختلف الأطراف بالتأني، وتكريس جهودهم لخدمة التوجه الحوثي للمشاركة في الحرب، والاستفادة منها في توجيه الرأي العام وإشغاله عن الاحتجاجات الشعبية، ومطالب الموظفين العموميين برواتبهم.

تصفيات وحرب سيبرانية

يخشى عدد من القادة الميدانيين الحوثيين تصفيتهم أو التنكيل بهم، وذلك بعد وقائع عدة لتصفيات واختطافات جرى التستر عليها أو تلفيق تهم لضحاياها.

ولقي القيادي هادي غانم قصمة، المكنى «أبو طارق»، قائد الأمن الوقائي في محافظة البيضاء (277 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء)، مصرعه في مواجهات بين مسلحيه ومسلحين يتبعون قيادياً حوثياً من المحافظة، وذلك بعد قرابة شهر من مقتل القياديَين عبد السلام جحلان، شقيق القيادي ياسر جحلان المعين في منصب مدير مديرية مكيراس، وجمال أحمد عبد الله المصيادي، وإصابة آخرين من أقارب الأول.

يخشى مراقبون من أن يتسبب صراع الأجنحة وحرب غزة في إفشال جهود السلام في اليمن (غيتي)

وزعمت الجماعة أن الحادثتين تقف خلفهما عناصر إرهابية، الأمر الذي أثار الشك والقلق لدى عديد من القيادات من أن ذلك يعد تستراً على الواقعتين اللتين يرجح أنهما ضمن مخططات تصفية في سياق صراع الأجنحة، خصوصاً أن الثلاثة القتلى من أبرز القادة والمشرفين الحوثيين.

ولجأ عدد كبير من القادة إلى اتخاذ احتياطات أمنية ولوجيستية لحماية أنفسهم وعائلاتهم، من بينها نقل عائلاتهم خارج مناطق سيطرة الجماعة، وبعضهم بهويات مزورة.

وتفيد المصادر بأن الصراع بين الأجنحة اتخذ طابعاً جديداً فيما يشبه الحرب السيبرانية بينها، لينتقل معها إلى هيئة مكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والمحاكم والنيابات، وجميعها أجهزة تسيطر عليها الجماعة الحوثية، وتتقاسم أجنحتها إدارتها وتديرها لصالحها.

وكشفت وسائل إعلام حوثية حديثاً، إقرار الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد (النسخة الحوثية) إحالة 26 متهماً في قضيتَي فساد، وصفتهما بـ«جسيمتين»، إلى القضاء، بعد إقرار نتائج إجراءات التحري والتحقيق التي نفذتها دائرة التحري والتحقيق في الهيئة وجهاز الأمن والمخابرات ومباحث الأموال العامة.

وتتهم الهيئة المتورطين في القضية الأولى بالإضرار بالاقتصاد الوطني والمؤسسات المالية، واختراق أنظمة عدد من المؤسسات المالية، والاحتيال الإلكتروني، والتزوير لوثائق إثبات الهوية، وغسل العائدات المتأتية بمبالغ تصل إلى 10 ملايين و330 ألف ريال يمني، و6 آلاف و700 دولار، و298 ألف ريال سعودي.

يتخذ عديد من القادة الحوثيين احتياطات أمنية صارمة خوفاً على حياتهم وعائلاتهم من التصفيات البينية (إعلام حوثي)

أما القضية الثانية، فتتضمن الإضرار بمصلحة الدولة، والاستيلاء على المال العام، وتخريب الاقتصاد الوطني في إحدى الوحدات الإنتاجية، وبحجم ضرر بلغ 3 ملايين و429 ألف دولار، بحسب مزاعم الهيئة التي أقرّت حجز وتتبع الأموال والأصول الخاصة بالمتهمين في القضيتين، وملاحقة المتهمين الفارين خارج سيطرة الجماعة الحوثية.

وأشارت الهيئة الحوثية إلى فرار عدد من المتهمين الضالعين في القضيتين إلى خارج مناطق سيطرة الجماعة، دون أن تورد أسماء أو صفات أي منهم.

المصادر تحدثت عن توسع المكايدات، وتسريب وثائق ملفات فساد من مختلف القطاعات، إلى جانب الاعتراض على وجود قيادات حوثية معينة في أكثر من منصب؛ مثل هاشم الشامي الذي يشغل منصبَين قياديَين في مؤسسة الكهرباء وهيئة الأراضي، وطه جران الذي يدير ما تُسمى بـ«الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء»، ومؤسسة «يتيم».

«حرب غزة» فرصة للإنقاذ

منذ أسابيع، نفّذ عناصر حوثيون أعمال دهم واختطافات واسعة طالت قيادات وناشطين، جرى التعتيم على غالبيتها؛ بسبب مخاوف عائلات المختطفين من التنكيل بهم، وعدم جدوى الوساطات للإفراج عنهم في حال إثارة قضايا اختطافهم عبر وسائل الإعلام.

إلا أن اختطاف القيادي والناشط الحوثي محمد الجرموزي من منزله أخذ مساحة من الاهتمام في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، لأنه يحظى بشعبية وسط أنصار وأتباع الجماعة؛ بسبب كتاباته وأشعاره المؤيدة لها، والمبررة لممارساتها وحربها.

وكانت النيابة الجزائية التابعة للجماعة أصدرت أمر قبض قهري على الجرموزي بتهمة ازدراء القضاء، إلا أن تنفيذ الأمر تأخر أسابيع عدة.

واتهم الجرموزي قيادات في الجماعة الحوثية باختطافه؛ نتيجة موقفه الرافض لإرسال وفد إلى العاصمة السعودية، الرياض؛ للتفاوض من أجل إحلال السلام في اليمن، ووصف الأمر بـ«الخيانة، والتنكر لدماء المقاتلين»، مطالباً باستمرار الحرب.

تنافس الأجنحة الحوثية يعيق تشكيل حكومة انقلابية جديدة (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن صراع الأجنحة المتصاعد يهدد إمكانية حدوث مفاوضات سلام حقيقية، وانخراط الجماعة الحوثية فيها بجدية، حيث يبدو جلياً، وفقاً لباحث سياسي مقيم في العاصمة صنعاء، أنه وبينما ترسل الجماعة وفوداً للتفاوض في أكثر من عاصمة عربية، فإن قيادات أخرى تعمل على التصعيد والتلويح بعودة المعارك.

وحذر الباحث، الذي طلب حجب بياناته، من أن التصعيد الحوثي في بعض الجبهات الداخلية يتزامن مع إعلانها المشاركة في حرب غزة، واتهامها دول الجوار بعدم تمكينها من إطلاق صواريخها ومسيّراتها، أو السماح لها بإرسال جنودها ومقاتليها إلى أرض مجاورة لغزة. وقال إن اتهام الجماعة المحيطَين الداخلي والعربي بالعمالة لإسرائيل يكشف عن نوايا سيئة للغاية.

وأكد الباحث أن حرب غزة منحت الجماعة فرصة لتجاوز كثير من التحديات التي تواجهها، والسعي لحل الخلافات الداخلية وإعادة توزيع حصص النفوذ والفساد، وتقوية جبهتها التفاوضية لإملاء شروط مجحفة، منبهاً إلى أنها تدرك أن القوى الدولية التي تضغط لتحقيق تسوية سياسية في اليمن تتفهم أسلوبها في الاستفادة من حرب غزة، ويمكن أن تساعدها على ذلك.


مقالات ذات صلة

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

كشفت دراسة حديثة عن تحول تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل رئيس للحوثيين، مع تصاعد نشاط شبكات منظمة تهدد المجتمع اليمني والأمن الإقليمي وتطيل أمد الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي خلال 2026 يعزّز الكهرباء والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويدعم الاستقرار والتعافي عبر شراكات دولية فعّالة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

تسببت فيضانات شديدة ضربت اليمن في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، وتدمير آلاف المنازل.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

أطلق مزارعون تحذيرات من تفشي مبيدات خطرة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط اتهامات لهم بإنشاء شبكات لاستيرادها وترويجها وتغييب الرقابة، مما يزيد من المخاطر الصحية.

وضاح الجليل (عدن)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.