عين المرأة السعودية لرؤية واضحة

عين المرأة السعودية لرؤية واضحة

الثلاثاء - 25 رجب 1437 هـ - 03 مايو 2016 مـ رقم العدد [13671]

في عام 1985 قررت الرابطة الأميركية للعلوم إطلاق مشروع لإصلاح التعليم سمّته (2061؛ العلم لكل الأميركيين) لتطوير مناهج العلوم والرياضيات لتناسب كل الأميركيين منذ سنوات التعليم المبكرة. تضمن المشروع مساعدة التربويين على تطوير المناهج لرفع مستوى الثقافة العلمية وتشجيع الإبداع وتنمية المهارات، وكان تحديد عام 2061 متزامنًا مع الظهور المرتقب لمذنب هالي. تصميم البرنامج وإعلانه للمجتمع الأميركي لم يكن ليحظى بحماسة الحكومة والشعب الأميركيين لولا أنهم استشعروا جديته من خلال تحديد سقف زمني، فأصبح يشكل تحديًا لواضعيه ومنفذيه. وغني عن القول كيف تسارعت وتيرة الإصلاح والتنمية البشرية في العلوم والرياضيات في الولايات المتحدة، وأصبحت الدولة الأولى في العالم في تنوع أنظمتها التعليمية ووسائل تعلمها، ما جعلها نموذجًا رائدًا للمحاكاة.
تحديد نهاية زمنية لخريطة أي طريق تعني إشعال فتيل الحماسة في السباق مع الزمن.. تحدي الإنسان لمقوماته الذهنية والعضلية وقدرته على استثمارها استثمارًا أمثل بغية الوصول إلى خط النهاية قبل الوقت الموعود. وعلى مثل هذه النموذج تلمست السعودية طريقها إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي برسم نموذجها الخاص من خلال رؤية 2030 التي أعلن عنها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأقرها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي.
الرؤية بشكل عام لم تغفل أي جانب يخص التنمية، مخرجاتها المأمولة سيعم خيرها كل شرائح المجتمع. وستكون هذه الرؤية ثالث أهم حدث بعد توحيد نجد والحجاز تحت مسمى المملكة العربية السعودية في عام 1932 واكتشاف النفط في عام 1938. وستقسم هذه الرؤية التاريخ السعودي إلى مرحلتين؛ النفط، وما بعد النفط.
أهم ما يمكن للتاريخ ذكره عن المرحلة الفاصلة بين 1938 - 2016 أن الحكومة السعودية استعملت النفط لترسية بنى تحتية، حولت المنطقة الصحراوية الشاسعة إلى مدن متمدنة، فقصرت المسافات بين المدن والهجر، ونشرت التعليم المجاني فتقلصت الأميّة، وارتفع مستوى الرعاية الصحية، أي أن السعودية اغتنمت حظها الكبير من الكنز المدفون تحت طبقات الأرض، وغيرت من واقعها. ولكن لأن كل مال ينفق مصيره إلى الزوال، فإن التحول للمرحلة التي تليه ضرورة حتمية لمواجهة صندوق الكنز الفارغ.
إنه تحدٍ كبير ولا شك، وهنا أقتبس ما ذكره ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مؤتمره الصحافي مع الإعلاميين في يوم إعلان الرؤية، بأنه مشروع وطني سيساهم في تحقيقه الجميع. وخلال المؤتمر نفسه، رد الأمير على كل الأسئلة المتعلقة بتفاصيل الرؤية، خاصة من الإعلام الغربي الذي كان أكثر تركيزًا على نقطتين؛ مستقبل شركة أرامكو، والمرأة السعودية. وحيث أن أرامكو قد جرى الحديث حولها بتفصيل بالغ، فسأتجاوزها إلى القضية الكبرى الأخرى، وهي حصة المرأة السعودية في هذه الرؤية، وأذكر أنه قال نصاً إن المراة نصف المجتمع، وهي شريك أساسي لتحقيق الرؤية في رده على سؤال من صحيفة «الإيكونوميست».
هنا سأتمثل بالشفافية نفسها التي وضعها الأمير محمد بن سلمان منهجًا له في خطابه الإعلامي، وأقول إن المرأة هي نصف القوى البشرية في المملكة، ومن عمل مع امرأة أو قام بتدريسها يقر يقينًا أنها الأكثر صبرًا وإرادة وامتثالاً للنظام، ولديها طاقة هائلة للإنجاز وتحقيق الهدف. ومن وجهة نظري، لم يكن من المناسب أن تخص الرؤية الجديدة المرأة بوضع خاص، فالشريك له حصة النصف لا حصة استثنائية. صحيح أن خفض نسبة البطالة في صالحها بشكل كبير كون البطالة بين النساء مرتفعة عن الرجال، وصحيح أن تأسيس ثقافة الترفيه وبناها التحتية يمس الأسرة التي هي عمادها، إنما المشروع ككل هو مشروع جامع وليس مقسمًا. رؤية 2030 هي بمثابة دستور للتنمية، له برامج تنفيذية على رأسها برنامج التحول الوطني الذي سيعلن عنه في الأيام المقبلة، وحيث أن المرأة شريك، فهذا يعني بالضرورة حضورها في كل خطط العمل التنفيذية، في كل المؤسسات والقطاعات عمومًا، باستثناء قطاعات محدودة جدًا قد لا تتناسب وطبيعة المرأة البنيوية. ليس مهمًا أن موضوع قيادة المرأة للسيارة تأجل لمستقبل سيحمل تغيرات إيجابية كما ذكر الأمير محمد، لأن رؤية 2030 جعلت لمفردة «مستقبل» مصداقية وجدية يعول عليها المواطن دون قلق.
في سبتمبر الماضي، وخلال رحلة خادم الحرمين الشريفين إلى واشنطن، تحدث الأمير محمد مع الكتّاب والإعلاميين وقال انتظروا 6 أشهر وستسمعون قرارات تسعدكم ستغير حياة المواطن ومستقبله للأفضل. أوفى الأمير بوعده، وأطلق رؤيته التي سار بها الركبان إلى كل العالم، يقول لنا: هذه الرؤية الاستراتيجية ستبدد قلقنا على أحفادنا. فإن كان ولي ولي العهد قلقًا على مستقبل أحفاده، ويجد في هذه الرؤية الاطمئنان والسكينة، فهذا يعني أن كل الأحفاد في مأمن من تحول الزمان، وانقلاب الأصدقاء، وانعكاس التيار.
رؤية 2023 واعدة، لكنها كدستور للتنمية ستتضمن قواعد مفصلة وشارحة لها، وتحت هذه القواعد أنظمة، وتحت الأنظمة لوائح، والمرأة السعودية التي قال عنها الأمير محمد إنها اليوم محامية وطبيبة وباحثة وأديبة، ينتظر أن تكون لاعبًا أساسيًا لا أن تأخذ موقع المتفرج أو ينالها القلة القليلة من الفرص في تشريع بنود الرؤية وتنفيذها.
القوى البشرية الشبابية في المملكة هائلة، تصل إلى 70 في المائة من المكون البشري، نصفهم نسوة، ومن المستحيل أن تتجاوز خطة تنفيذ الرؤية مراحل ملموسة دون هذا النصف المكتنز بالحماسة والطموح.
الشراكة الفعلية هي حضور المرأة في الإدارة والاستشارة واللجان والتنفيذ والمتابعة في القطاعين العام والخاص، جنبًا إلى جنب مع الرجل، تتبادل معه الخبرات ويساند أحدهما الآخر، وفق قوانين صارمة تنظم علاقة العمل. هذه الرؤية الواعدة لها عينان: الرجل والمرأة، قصور أحدهما قصور في فهم الطريق والاستدلال على خط النهاية.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة