النظر إلى عوامل خطورة Risk Factors الإصابة بالأمراض، هو إحدى وسائل البحث في سبل ناجعة لتحقيق الوقاية من الإصابة بها. وإحدى وسائل تقريب الفهم لها هو مقارنتها بعوامل خطورة أخرى معلومة لغالبية الناس.
وحينما تشير نتائج الدراسات الطبية إلى أن عامل خطورة ما تبين أن له تأثيرات صحية سلبية واضحة، وتُقارن تلك الدراسة بين ذلك العامل الذي تم التعرف عليه وبين عامل آخر معروف، فإن الأمر لا يتجاوز حدود تقريب فهم المعلومة لإدراك أهمية التنبه لعامل الخطورة الصحية الجديد. ولذا فإن الأمر المهم ليس تخفيف النظر إلى عامل الخطورة المعروف، بل الالتفات الجاد نحو الاهتمام بعامل الخطورة الجديد الذي تمت ملاحظته. هذه واحدة، والأخرى أن الإرشادات الطبية المبنية على ملاحظة التعرف على أحد عوامل خطورة الإصابة بالأمراض في منطقة ما من العالم، يجدر مراجعتها ومعرفة تأثيرات تطبيقها على مجتمعات غير التي تمت ملاحظة عوامل الخطورة تلك فيها.
وعلى سبيل المثال دعونا نراجع نتائج دراسة الباحثين من السويد حول التأثيرات الصحية الضارة لعدم تعريض الجسم لأشعة الشمس والإرشادات الطبية حول هذا الأمر. وقد أفاد الباحثون في محصلة نتائج دراستهم بأن عدم التعرض لأشعة الشمس شيء ضار صحيًا بمقدار يُقارب التأثير الصحي الضار للتدخين! أي أننا نتحدث عن ثلاثة أمور: عامل «تحاشي التعرض لأشعة الشمس» Avoiding Sun Exposure وعامل «التدخين» وعامل «البيئة الجغرافية»، التي تم فيها بالأصل ملاحظة أن زيادة التعرض لأشعة الشمس يضر بالصحة.
وضمن عدد 16 مارس (آذار) من مجلة الطب الباطني Journal of Internal Medicine، عرض الباحثون من مستشفى جامعة كارولينسا في ستوكهولم بالسويد دراستهم التي كانت بعنوان «تجنب التعرض لأشعة الشمس كعامل خطورة للإصابة بالأسباب الرئيسية للوفاة: تحليل المخاطر التنافسية لسرطان الجلد في جنوب السويد». وقال الباحثون في عرضهم للهدف الموضوعي من الدراسة إن «النساء اللواتي يتعرضن لأشعة الشمس بشكل نشط تنخفض لديهن معدلات الوفيات بالمقارنة مع النساء اللواتي يتحاشين التعرض لأشعة الشمس، ومع هذا فإن لديهن في مراحل تالية من العمر ترتفع احتمالات الإصابة بسرطان الجدل نتيجة لزيادة التعرض لأشعة الشمس. وهدفنا من الدراسة استكشاف هذه الاختلافات في الأسباب الرئيسية للوفاة وفقًا لمقدار التعرض لأشعة الشمس».
وأفادوا في مقدمة الدراسة بأنهم قاموا بتقييم الاختلافات في التعرض لأشعة الشمس كعامل خطورة لجميع أسباب الوفيات لدى نحو 30 ألف امرأة سويدية، ممن تراوحت أعمارهن ما بين 25 و64 سنة، وذلك طوال السنوات العشرين الماضية. وقالوا في النتائج: «النساء الأكثر تعرضًا للشمس انخفضت بينهن نسبة الوفيات بسبب أمراض القلب والوفيات غير السرطانية مقارنة باللواتي يتحاشين التعرض للشمس، ونتيجة لتدني الوفيات بتلك الأسباب ارتفع لديهن متوسط العمر المتوقع Life Expectancy بما جعل فرصتهن في الوفاة بسبب الأمراض السرطانية أعلى. ومن ثمّ لاحظنا أن النساء غير المدخنات اللواتي يتحاشين أشعة الشمس كان متوسط العمر المتوقع لهن مشابهًا للمدخنات اللواتي يُكثرن من التعرض لأشعة الشمس. وهو ما يجعل تحاشي التعرض لأشعة الشمس عامل خطورة لارتفاع احتمالات الوفاة بما يُعادل تأثير التدخين». انتهى الاقتباس من كلام الباحثين.
واستنتج الباحثون أن الزيادة في متوسط العمر المتوقع لدى اللواتي يُكثرن من التعرض لأشعة الشمس مرده انخفاض احتمالات الوفاة بسبب أمراض القلب والأسباب الأخرى غير السرطانية.
وأكد الباحثون أن التعرض الزائد للأشعة فوق البنفسجية للأشعة الشمسية من عوامل الخطورة القوية لارتفاع احتمالات الإصابة بسرطان الجلد، الذي ترتفع الإصابات به بين ذوي البشرة الفاتحة مقارنة بغيرهم، وتحديدًا أعلى نسب الإصابة به تمت ملاحظتها بين ذوي الأصول الأوروبية من سكان أستراليا. وأن نتائج دراستهم هذه هي لنساء يعشن في مناطق محدودة التعرض لأشعة الشمس ومؤشر الأشعة فوق البنفسجية فيها منخفض بالمقارنة مع مناطق أخرى من العالم. وقال الباحثون: «خلال السنوات الثلاثين الماضية تم وضع إرشادات صحية لتخفيف التعرض الزائد لأشعة الشمس، وهي بالأصل كانت مبنية على ملاحظات طبية صادرة من أستراليا وغيرها من مناطق العالم التي تتعرض لكمية عالية من الأشعة فوق البنفسجية ضمن حزمة أشعة الشمس. وتطبيق هذه الإرشادات في مناطق شمالية من العالم تتعرض لكمية منخفضة للأشعة فوق البنفسجية ربما لا يكون أمرًا صحيًا ملائمًا».
وأفادوا بأن بلدًا مثل السويد يتعرض إلى أشعة شمس طوال 9 أشهر من السنة بكمية أشعة فوق بنفسجية منخفضة، وتحديدًا يبلغ مؤشر الأشعة فوق البنفسجية UV index أقل من 3، بينما يتجاوز مقدار 6 في مناطق أستراليا. ولذا قال الباحثون إن تطبيق الإرشادات يجب أن يكون مختلفًا بين المناطق التي تتعرض بالأصل لأشعة شمس متدنية المحتوى بالأشعة فوق البنفسجية ومناطق أخرى أكثر تعرضًا لتلك النوعية الضارة من الأشعة.
والهدف الرئيسي من إجراء الدراسة في تلك المنطقة الشمالية من العالم هو معرفة تأثيرات تدني التعرض لأشعة الشمس في منطقة هي بالأصل باردة ولا تتوفر كثير من الفرص فيها للتعرض لأشعة الشمس مقارنة بالمناطق الدافئة، وملاحظة الباحثين أن ذلك السلوك ربما له تأثيرات صحية ضارة تعيد إلى الأذهان ضرورة مراجعة كيفية صياغة وتطبيق الإرشادات الطبية في مناطق مختلفة عن المناطق التي صدرت فيها الإرشادات الطبية تلك. كما أن المقارنة بالتدخين وتأثيراته الصحية السلبية، التي لا شك فيها، لا يجعل من التدخين شيئًا غير مهم صحيًا. ولذا فإن القراءة المتأنية لنتائج الدراسات الطبية تظل أمرًا ضروريًا في تفسير نتائجها وكيفية الاستفادة منها في وضع الإرشادات الطبية للوقاية من الإصابة بالأمراض والمحافظة على الصحة.
8:23 دقيقه
TT
مفارقة عدم التعرض لأشعة الشمس والتدخين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
