سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

سلمان في صورة نادرة

تزامنًا مع زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى القاهرة، أصدرت صحيفة «الأخبار» القاهرية، ملحقًا خاصًا عن الزيارة، في ثماني صفحات، وكان عنوانه: الملك سلمان في القاهرة.. البيت بيتك.
الزيارة بدأت الخميس الماضي، ودامت خمسة أيام، وكانت الحفاوة الشعبية بخادم الحرمين الشريفين، تتوازى مع الحفاوة الرسمية، ثم تتساوى معها، وتكاد تزيد.
وحين تطالع الصور التي نشرها ملحق «الأخبار»، عن زيارات ملوك السعودية السابقين إلى مصر، سوف يتبين لك بوضوح، أن كل تلك الزيارات قد حظيت بحفاوات مماثلة للحفاوة التي لقيها الملك سلمان، منذ أن وطئت قدماه أرض المطار، إلى أن غادر سماء المحروسة.
تلحظ ذلك بسهولة، من صور زيارة الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، قبل ثورة 1952، ولقائه مع الملك فاروق وقتها، ثم مرورًا بزيارات أبنائه الملوك، من أول سعود، إلى فيصل، وخالد، وفهد، وعبد الله، رحمهم الله، ثم الملك سلمان.
ولأن المملكة هي مهبط الوحي، ولأنها أرض الحرمين الشريفين، فهي بالنسبة لكل مصري، ثم لكل مسلم بالعموم، قيمة عالية تستقر في كل وجدان.
ولأن الملك المؤسس، رحمه الله، كان قد أوصى أبناءه جميعًا، بأن تكون العلاقة مع مصر، نصب أعينهم في كل لحظة، ولأن الرجل ببصيرة كانت تميزه، كان يعرف معنى أن تكون القاهرة والرياض على موجة واحدة من الإرسال والاستقبال، سياسيًا بشكل خاص، فإنه حرص على أن تكون وصيته للأبناء، بمثابة برنامج العمل العام، لدى كل ابن منهم، حين يأتي أوان وجوده في موقع المسؤولية.
في ملحق «الأخبار» جاءت صورة فريدة ونادرة للملك سلمان، وكان فيها يرتدى الزي العسكري، وقت أن كان أميرًا، وكان قد «تطوع» مع ثلاثة من أشقائه، للدفاع عن مصر، عندما وقع عليها العدوان الثلاثي عام 1956. وقد وضعت من جانبي فعل تطوع، بين قوسين، لعل القارئ يلتفت إلى أن الملك سلمان، عندما أقدم على تلك الخطوة المبكرة في حياته، فإنها كانت بمبادرة كاملة منه، لأن التطوع بطبيعته فعل اختياري، ولأن صاحبه يملك أن يفعله، أو يمتنع عنه، ولأن المتطوع، في حالة كهذه، لا يفعلها، إلا إذا كان محبًا بجد للبلد الذي قرر أن يتطوع للذود عنه، وإلا فهل نتصور إنسانًا، فضلاً عن أن يكون هذا الإنسان أميرًا، يمكن أن يذهب بكامل اختياره، للدفاع عن بلد، لا يراه أهلاً لدفاعه عنه؟!
إنني توقفت أمام هذه الصورة النادرة تحديدًا، لأن فيها الكثير من المعاني، ولأن التطوع حين جرى، كان في عام 1956، أي بعد رحيل الملك المؤسس، بأعوام، بما يعنى أن أبناءه الأمراء قد حفظوا عنه ما قال، وبما يعني أن الملك سلمان وأشقاءه الثلاثة، كانوا في لحظة اتخاذ قرار التطوع، ثم في لحظة ارتداء الزي العسكري، شأنهم عندها، شأن أي جندي مصري على الجبهة وقتها، يريدون أن يقولوا، بأبلغ بيان، إنهم يجسدون على الأرض ما قال به الملك المؤسس، وأنهم يعون تمامًا معنى ما قال، وأن ما قال به كان لصالح البلدين معًا، لا لصالح بلد منهما دون بلد، وأنهم لذلك كله أسبق الناس إلى العمل به، وإلى ترجمته، وإلى تحويله إلى واقع حي بين الناس.
لقد جاء وقت قيل فيه بحق، إن فتح خط مباشر من الاتصال، والتنسيق، والتشاور، والتوافق، بين القاهرة، ودمشق، والرياض، معناه أن يكون لعواصم العرب التسعة عشر الباقية، سند حقيقي تتكئ عليه، وهي مطمئنة إلى أن وراءه عواصم ثلاث كبرى تصد الأخطار عنها.
اليوم.. يبدو أن المتربصين بالعاصمتين، وبدمشق من بعدهما، لا يريدون للثلاث خيرًا.. أي خير.. وأغلب الظن، أن القمة التي انعقدت بين الرئيس السيسي، وبين خادم الحرمين الشريفين، في القاهرة، بعد ساعات من وصول العاهل السعودي، قد تطرقت إلى وضع دمشق المريضة، وكيف يمكن أن تعود إليها عافيتها، بكل الطرق، وبأي ثمن.
الملك سلمان لا يريحه بالقطع، أن تكون دمشق مريضة، وعندي يقين في أنه شديد القلق لمرضها، وأنه يتمنى لو أغمض عينيه، ثم فتحهما، فتكون «الشام»، أي دمشق، كما يسميها أبناؤها، في حالها الأول التي عرفناها به، ويؤلمنا أن تغادره إلى ما هي عليه!
قد تختلف الرياض مع القاهرة، على الوسيلة التي تعود بها دمشق، كما كانت، وأحسن.. وطبيعي أن يكون هناك اختلاف على الوسيلة، ليبقى الاتفاق على الهدف النهائي قويًا، وفى مكانه.