أميركا تتهيأ لانقلاب، ودوائرها السياسية والإعلامية تتابع تطوراته التي خرج بعضها إلى العلن أخيرا، ليضفي المزيد من الجدل والبلبلة على أجواء الحملات التمهيدية لانتخابات الرئاسة الأميركية. هذا الانقلاب، وفقًا للمعلومات التي خرجت إلى العلن، من المفترض أن ينفذ قبل نهاية يوليو (تموز) المقبل، موعد انعقاد المؤتمرات الحزبية لاختيار وإعلان مرشحي الرئاسة رسميًا.
الأمر يتعلق أساسا بالجمهوريين الذين يواجهون مشكلة مع التقدم المتواصل في الانتخابات التمهيدية للملياردير المثير للجدل، دونالد ترامب. فكثيرون ينظرون إلى الرجل على أنه خطر حقيقي، ويجب وقفه بأي ثمن ومنعه من الوصول إلى الرئاسة. ومن هذا المنطلق، بدأت شخصيات متنفذة تجتمع سرًا، وتدرس مختلف السيناريوهات لإطاحته.
أحد السيناريوهات المطروحة إقناع الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس، وهو قائد سابق للقيادة الوسطى، بخوض انتخابات الرئاسة، إذا فاز ترامب بفرصة الترشح عن الحزب الجمهوري. ويرى داعمو هذا السيناريو، وهم من المليارديرات المحافظين الداعمين للحزب الجمهوري، كما وصفتهم نشرة «ذا ديلي بيست» الإلكترونية الأميركية المتنفذة، أن ماتيس يمكن أن يصبح مرشح «الخيار الثالث» في مواجهة ترامب وأي من مرشحي الحزب الديمقراطي، سواء هيلاري كلينتون أو بيرني ساندرز. وقد باشر هؤلاء بالفعل في تمويل حملة لدعم فكرتهم، وجندوا لها بعض المخططين الاستراتيجيين للترويج لترشيح الجنرال ماتيس، ووضع كل السيناريوهات المحتملة لتنفيذ الفكرة.
المشكلة التي تواجه هؤلاء هي أن الجنرال ماتيس يبدو رافضًا تمامًا لفكرة الترشح للانتخابات، وقد نقل عنه أنه غير راغب في تعريض نفسه لعمليات النبش والتنقيب القاسية في سجل ومواقف وحياة كل من يدخل حلبة السباق الرئاسي، يضاف إلى ذلك أن النظام الانتخابي الأميركي المعقد يعني أن مرشح «الخيار الثالث» سيجد صعوبة في حصد الأصوات الكافية من ممثلي الولايات لضمان فوز مباشر على مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وعلى الرغم من أن المخططين يقرون بهذه العقبات، وبأن فرصة إحراز الجنرال ماتيس الفوز من الجولة الأولى في انتخابات الرئاسة تبدو ضئيلة، فإنهم يعتبرون أن فرصة فوزه كـ«خيار ثالث» ستكون واردة جدًا إذا تمكن من انتزاع عدد كاف من أصوات مندوبي الولايات من ترامب، ومن هيلاري كلينتون (إذا أصبحت مرشحة الديمقراطيين)، بحيث يمنع فوز أي منهما بالأغلبية المطلوبة، وبذلك تؤول مسألة اختيار الرئيس إلى مجلس النواب، أما بالنسبة لمشكلة إقناع ماتيس بالترشح، فإن داعمي هذا السيناريو يقترحون اسم الجنرال جون كيلي كبديل محتمل.
سيناريو المرشح العسكري ليس الوحيد المطروح للنقاش في الساحة، مع تنامي التيار الداعي لمنع فوز ترامب، خصوصًا بين الجمهوريين الذين يعتبرون ترشيحه كارثة بكل المعايير. فهناك شخصيات بارزة تدعم فكرة ترشيح بول رايان، رئيس مجلس النواب الحالي المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس خلال حملة ترشح ميت رومني للرئاسة في انتخابات 2012. ولهذا الغرض، اصطف عدد من أثرياء الحزب الجمهوري مبدين استعدادهم لدعمه إذا ترشح، إلا أن رايان خرج ليعلن أنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة، وهو رفض قوبل بتشكيك من بعض الأطراف التي قالت إن الرجل سبق أن أعلن أنه لن يترشح لمنصب رئيس مجلس النواب، قبل أن يعود في كلامه ويترشح للمنصب. في كل الأحوال، فإن هناك أسماء أخرى مطروحة كـ«خيار ثالث»، مثل ريك بيري حاكم تكساس السابق، ومايكل بلومبيرغ عمدة نيويورك السابق، لكن الكل يتريث ويراقب قبل إعلان موقفه اعتمادًا على ما سيحدث خلال الأسابيع القليلة المتبقية على المؤتمرات الحزبية.
مرشح «الخيار الثالث» يبقى بمثابة الجهد الأخير إذا فشلت التحركات لمنع ترامب من أن يصبح المرشح الرسمي للحزب الجمهوري في المؤتمر العام الذي سينعقد من 18 إلى 21 من يوليو المقبل، في كليفلاند (أوهايو). لكن مثل هذا السيناريو يتطلب ظهور مرشح الآن، أو خلال أسابيع قليلة، لكي يتمكن داعموه من وضع اسمه في القوائم الانتخابية في كل الولايات قبل وقت كاف من انتخابات الرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني). لهذا فإن كثيرين يراهنون على السيناريوهات الأخرى لمنع ترامب من الفوز بفرصة الترشيح عن الجمهوريين، ويرونها أكثر منطقية وقابلية للتنفيذ. من هذه السيناريوهات دعم المرشحين الجمهوريين الآخرين، تيد كروز وجون كايسيك، لضمان استمرار حملاتهما حتى موعد المؤتمر العام للحزب، والهدف هو حرمان ترامب من الحصول على الأغلبية المطلوبة، وهي أصوات 1237 مندوبًا من أصل 2472 مندوبًا، ففي حال فشل ترامب في الحصول على هذا العدد، يعفى مندوبو الولايات من التزاماتهم، ويصبح من حقهم التصويت لأي مرشح يرونه مناسبًا، مما يفتح الباب أمام إمكانية نجاح انقلاب ضده.
كل هذه السيناريوهات قد تؤدي إلى انشقاق حقيقي في صفوف الجمهوريين، لكن داعميها يرون أنها تستحق المخاطرة لمنع فوز ترامب الذي يصفونه بالفاشي المخبول والمهرج العنصري، ويعتبرونه خطرًا أكبر على الحزب.. وعلى أميركا.
11:56 دقيقه
TT
انقلاب في أميركا!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
