إن سؤال الهوية من الأسئلة المهمة التي لا نعثر لها حاليًا على طرح جديد ومعمق في الفضاء العربي الثقافي، في حين أنه نجد في الحقل الأكاديمي الأوروبي مقاربات سوسيولوجية وأنثروبولوجية ونفسية على غاية من الدقة والحفر المعرفي تخص مسألة الهوية.
وليس خافيًا أن موضوع الهوية في أبعاده الذاتية والجماعية والاجتماعية يهم الجميع وباستمرار، بمعنى أن الهوية سيرورة متحركة وتحمل سمات الحياة في تحولاتها وإعادة التشكل وفق تغييرات عدّة. ذلك أن للفرد هويته الذاتية التي نلخصها في مقولة «هويتي هي ما يجعلني غير متماثل مع أي شخص آخر»، وأيضًا هويته المجتمعية وهويته الثقافية. كما تشمل مقومات الهوية بالمعنى السوسيولوجي كلاً من عناصر الدين واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك. ويرتب كل مجتمع المقومات المذكورة حسب خصائصه وطبيعة تاريخه الثقافي.
لذلك، فإن كيفية بناء المجتمعات رمزيًا تعطي فكرة جوهرية عن علاقتها بتلك المقومات المكونة لبناء الهوية.
بالنسبة إلينا حوّلنا مفهوم الهوية إلى سؤال ثابت واكتفينا باجترار فكرة أنها هوية دينية بالأساس، باعتبار أن المقوم الديني يهيمن بشكل كبير على بقية المكونات الأخرى.
وفي الحقيقة يحتاج هذا الطرح إلى مراجعة وإلى فتح آفاق مقاربة سؤال الهوية. فليست المجتمعات العربية الإسلامية وحدها المعنية بمسألة الهوية أو أنها المجتمعات الوحيدة التي تعيش أسئلة مركبة ومعقدة، تتصل بمسألة الهوية. بل إن الجميع معني بهذه المسألة وتضاعف الاهتمام بها منذ أن بدأت رياح العولمة تعصف بالمجتمعات وتبشر بالثقافة الواحدة والعالم الواحد وبنمط العيش الواحد، مهدّدة بذلك ما يسمى الخصوصيات الثقافية.
المشكلة تكمن حسب رأينا في كيفية مواجهة ما نعتبره تهديدات للهوية. أي أن خوفنا من الذوبان الهوياتي قد بات يشكل هوسًا أثر سلبًا على شكل هويتنا وكيفية بنائها وعلاقتها بالهويات الأخرى.
في خضم هذا الطرح لمسألة الهوية، فإن تصور التنظيمات الدينية المتطرفة للهوية إنما يتميز بالانغلاق والماضوية وخاصة بالثبوتية والجمود وهو ما يتنافى مع الطبيعة المتحركة للهوية. فهي – أي التنظيمات المتطرفة - تريد أن تفرض تصورًا غير طبيعي وغير واقعي للهوية. لذلك فإن طروحاتها تفتقد إلى الواقعية وإلى قوانين الحياة ذاتها، ومن ثم فهي هوية ميتة لا تنفع الأحياء أبدًا.
غير أن الأمر يختلف كليًا بالنسبة إلى الجاليات العربية الإسلامية المقيمة في أوروبا، التي أصبحت تمتد على ثلاثة أجيال وتحمل جنسية البلد الذي تعيش فيه. هذه الجاليات أصبح المطلوب منها أن تتعامل مع إشكالية الهوية بشكل أكثر وعيًا ويقظة حتى من المجتمعات الأصلية التي تنتمي إليها، وذلك لأن طبيعة تركيبها الهوياتي تحدد علاقتها بالبلد الذي تحمل جنسيته وتقيم فيه ومن ثم هويتها المتعددة الروافد وجوبًا.
إن العرب المسلمين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية ويتمتعون قانونيًا بنفس حقوق بلد الاستقبال، لم يعمل غالبيتهم على الاندماج الثقافي داخل المجتمعات المهاجرة إليها وظلت بدافع الحفاظ على هويتها الأولى والأصلية في علاقة انكماش هوياتي وأحيانًا في تنافر مع هوية مجتمع الاستقبال.
ولقد انعكس هذا التعامل الدفاعي الهجومي في آن على سلوك ما يسمى الجيل الثالث لأبناء المهاجرين الذي - أي الجيل الثالث - وجد نفسه في مأزق هوياتي عميق؛ فهو لا يشعر بانتمائه الكامل والفعلي للمجتمعات الأصلية من جهة ولا إلى المجتمعات الأوروبية التي تقيم فيها عائلاتهم منذ سنوات طويلة من جهة ثانية.
وفي الحقيقة يمثل هذا المشكل سببًا رئيسيًا في انتشار ظاهرة الفشل الدراسي عند نسبة كبيرة من الجيل الثالث للجاليات العربية المسلمة في أوروبا، علاوة على أن هذا الجيل هو أسهل فريسة يمكن أن يصطادها الإرهابيون والمتطرفون باعتبار أن هويتهم مكمن وجعهم الأول.
ويبدو لنا أنه بالنظر إلى الحجم الديموغرافي للجاليات العربية المسلمة في أوروبا وأيضًا تداعيات الأحداث الإرهابية على مستقبلهم النفسي والاجتماعي اليومي في ديار الغربة، فإنه أصبح لزامًا أن تحظى مسألة الهوية بجدية واهتمام كبيرين.
من المهم أن تشتغل النخب العربية في أوروبا على نشر ما وصفه ويسميه الكاتب المبدع أمين معلوف «التماهي» ولو قليلاً مع البلد الذي يحيا فيه الإنسان العربي المسلم وذلك من خلال اكتساب عدد من السلوكيات.
لا بد من إعادة صياغة مفهوم الهوية وفق مفاهيم أخرى مركزية تقوم على فكرة التنوع وكيف أن حصيلة الهوية هي نتاج انصهار انتماءات مختلفة تفرز هوية غنية وثرية وقادرة على التماهي ونظم سيرورة خاصة جدًا، تكون مصدر تميز وإغناء لا سبب انكماش وانغلاق.
إن أنموذج الهوية المتماهية يشكل خلاصًا ذكيًا وواقعيًا وإيجابيًا للذوات الحاملة للهوية العربية الإسلامية. وبفضل التماهي يمكن لجالياتنا أن تضمن سلاسة التعايش مع الهويات الأخرى والتفاعل معها إيجابيًا أيضًا وقطع الطريق أمام الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة، التي توظف القصور الهوياتي لدى الكثير من جالياتنا وتعتمده مسوّغًا من مسوغات استعداء العرب والمسلمين. كما أنه من المهم أن يكون التماهي المشار إليه واعيًا وحقيقيًا لا شكلانيًا ومظاهراتيًا كما هو الحال اليوم.
10:2 دقيقه
TT
مسألة الهوية وأنموذج الهوية المُتماهية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
