د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

الثقافة السياسية هي المشكل

هناك شبه إجماع على أن أزمة مجتمعاتنا هي أزمة قيمية ثقافية بالأساس، وأنه لا سبيل للتغيير الثقافي، إلا إذا تم إيلاء البعد الثقافي الأهمية اللازمة والمستعجلة في آن. فأي تأخير لهذه المسألة، يعني إعطاء الفرصة لمظاهر التخلف الثقافي وللمعوقات المانعة لتحرر العقل العربي من مركباته.
المعروف أن التغيير الثقافي لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وأنه يشترط الوقت عاملاً رئيسيًا حتى تعمل عجلة التغيير القيمي، وذلك باعتبار أن الرموز والتمثلات صعبة التغيير، كما أنها تتغير ببطء شديد، خصوصًا عندما تكون الشخصية القاعدية للمجتمع ذات طابع محافظ بالأساس.
وفي الحقيقة، فإن نخبة كبيرة جدًا في العالم العربي من مفكرين ومبدعين ومثقفين لديها اعتقاد راسخ أن التغيير الثقافي مفتاح تقدم مجتمعاتنا وتحوّلها إلى مجتمعات عقلانية ومشجعة لإعمال العقل والحرية والنقد والنظرة إلى الفرد بوصفه محور المجتمع، ويتمتع باستقلالية إزاء مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولية والثانوية (مؤسسات الأسرة والمدرسة والأحزاب ووسائل الإعلام).
غير أن هذا الاعتقاد الراسخ في أرض الواقع، وبعد تجربة مطولة في الرهان عليه، يمكن القول إنه اعتقاد يحتاج إلى النقد والمراجعة. فصحيح جدًا أننا نحتاج إلى ثورة قيمية ثقافية تُعيد تشكيل الفعل العربي وتُحرره من السلاسل الحديدية الكثيرة، لكن لا معنى لأي تغيير ثقافي ولا يمكن ضمان تحققه أصلاً إلا إذا تساند ذلك التغيير بتغيير في الثقافة السياسية للنخب العربية الحاكمة والمعارضة، والممثلة للحقل السياسي بشكل عام.
فعندما تتغير القيم السياسية، التي تنتج حالة من البرود العاطفي بين مجتمعاتنا وأوطانهم، ساعتها يمكن الرهان على التغيير الثقافي الاجتماعي؛ ذلك أن إعادة بناء الثقافة السياسية وفق منظومة إيجابية جديدة، تحترم قيم الكفاءة والعمل والجهد والعدالة والمساواة بعيدًا عن قيم المحسوبية والانتهازية والمحاباة القاتلة، تؤدي إلى انبثاق نوع من الأمل، مما يدفع بالجميع أو الأكثرية إلى الالتزام بمفهوم الصالح العام في المواقف والحسابات والممارسات، ومن ثم التمثلات والتصورات، لأن الواقع أكثر قدرة على التغيير، وعلى فرض الدوران على عجلة التغيير القيمي الإيجابي.
من هذا المنطلق، فإنه يمكن استنتاج أن هناك علاقة جدلية قوية بين التغيير السياسي والتغيير الثقافي للمجتمع. فمثلما تكون مقاومة الفساد انطلاقًا من الرؤوس الكبيرة، تكون مقاومة الفساد القيمي الثقافي من أرباب المجتمع.
وإذ نركز على هذه النقطة تحديدًا، فلأن الثقافة السياسية السلبية القيم قادرة على الإطاحة بكل الخطوات التي يمكن أن نقطعها في مجال التغيير الثقافي.
لنوضح فكرتنا أكثر:
لنفترض أننا عملنا جيدًا على العناية بقيمة العمل والكفاءة وتثمين الجهد والجدية والتعويل على الذات، ثم تقوم النخبة السياسية الحاكمة بتبجيل أشخاص لا تتوفر فيهم مواصفات الكفاءة والجدية والقيمة العلمية. ماذا سيحصل؟
إننا بسبب هذه الانزلاقات سنهزم المفاهيم والقيم الإيجابية ونحبط العقل والمنطق والكفاءة، ونسهم في انتصار قيمتي المحسوبية والتواكل.
هكذا نسدد ضربة قاضية لمسار التغيير الثقافي والعقليات. وهذا ما حصل تقريبًا في غالبية مجتمعاتنا، حيث قامت الدول بإرساء سياسة تعليم واسعة وتتالت النخب الثقافية والإبداعية في عملية صياغة الوجدان والعقل والذائقة العربية وأنتجت أجيالاً يمكن التعويل على مكتسباتها الثقافية. ولكن ما حصل أن الثقافة السياسية في بلداننا كانت عامل تعنيف لمسار التحديث والتغيير الثقافي، مما أصابه بنكسات عدّة، انتهت بنا إلى ظاهرة التطرف الديني وظهور التنظيمات الإرهابية.
المشكلة أن الفئة الأضعف والأكثر هشاشة في مجتمعاتنا اغتربت في الدين بشكل خاطئ، وسقطت في فخاخ مافيا الإرهاب، وسقطت المشاريع الثقافية التحديثية كما حصل في تونس بلد التحديث ومجلة الأحوال الشخصية الرائدة ومجانية التعليم ودمقرطته، حيث وصل الأمر إلى انضمام الآلاف من الشباب والشابات التونسيات في التنظيمات المتشددة، وعلى رأسها تنظيم داعش.
بيت القصيد: لن تنجح أي عملية تغيير ثقافي في مجتمعاتنا إلا إذا تغيرت الثقافة السياسية، لأن المساواة الحقيقية والديمقراطية الحقة ترفعان من منسوب الأمل والثقة في المستقبل، وتقويان الصلة بالوطن والمجتمع والدولة.
من جهة أخرى، فإن استمرار القيم السياسية السلبية خاصة التي تستهدف مفهوم الكفاءة والعدل في الفرص والحقوق والحظوظ، سيعيدنا إلى اللحظة صفر، وسيحصل انكماش على مستوى المشاركة السياسية علاوة على استمرار مظاهر الاحتجاج بواسطة العنف.
إن دور النخب السياسية الحاكمة تقديم البراهين المتتالية على أنها تتبنى ثقافة سياسية تتماشى وثقافة المواطنة. وكلما كانت في انسجام مع القيم الإيجابية ومجسدة لها كسبت شعوبها وأسهمت في التسريع في وتيرة التغيير الثقافي.
إن تغيير الثقافة السياسية في بلداننا يمثل جزءًا أساسيًا من توصيف حكم الناس بكونه تكليفًا وليس تشريفًا.