TT

جدوى قطع العلاقات

«قطع العلاقة» صرخة مدوية بأن شيئًا سلبيًا قد حدث.. فحينما نقرأ إعلان «قطع علاقة» شركة بعامل أو موظف لديها، فهذا قد يعني أنه ارتكب أمرًا استدعى قطعًا فوريًا للعلاقة. وكذلك الحال في الصفقات التجارية بين مؤسستين.
أما في العلاقات الإنسانية، وتحديدًا بين الأرحام، فإن إحسان الظن مقدم فيها على سوء الظن. وأبهى صور تسامحنا يتمثل في استجابتنا لقوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌ حَمِيمٌ»، أي إن مقابلة الإساءة بالإحسان تحول الخصم إلى وليّ حميم.. وسيجد من ناصبنا العداوة أننا «نسفّه الملّ» كما في الحديث الشريف، أي نلقمه رمادًا حارًا، ولسان حالنا يقول: أَمْعِن بالإساءة وسنمعن في الإحسان.
أما في العلاقات الدبلوماسية، فإن القادة يجدون أنفسهم مرغمين على «قطع العلاقة» مع بلد يضمر العداوة أو يجاهر بها. وحينما لا تتدرج البلدان المتضررة في خيارات التصعيد الدبلوماسي كاستدعاء سفير، أو الاحتجاج، أو تخفيض عدد أفراد البعثة، لتختار آخر الدواء، وهو الكيّ (قطع العلاقة)، فهذا أسلوب سلمي ومشروع، لأنه يعلن للعالم أنه «قد بلغ السيل الزبى». إلا أن قطع العلاقة ليس نهاية المطاف، فقد تتبعه قضايا محلية أو خارجية أو عقوبات دولية تُضَيّق الخناق على من لا يزال يمارس شريعة الغاب في القرن الحادي والعشرين.
ومن صور التكتيك الدبلوماسي قطع العلاقات عبر تكتل سياسي، مثلما فعلت الدول العربية ضد فرنسا وبريطانيا بعد تداعيات العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ومثلما أدت ممارسات «إسرائيل» على مر العقود إلى قطع دول أجنبية وعربية علاقتها معها. ومن التكتيك أن تبقي دولة حليفة الباب مواربًا مع خصم دول الحلف لتلعب دور الوسيط في عودة مياه العلاقات الدبلوماسية إلى مجاريها، لا سيما أن علاقات الدول ليست فيها قطيعة دائمة، فمن يتخيل أن الولايات المتحدة أعادت علاقاتها مع كوبا، الصيف الماضي، بعد نصف قرن من القطيعة، ويدرس الرئيس أوباما زيارتها قريبًا؟
إن «قطع العلاقة» تصرف رمزي وحضاري، لأنه بديل عن عنف المواجهة.. فكم من فرد خان الأمانة، فكان لزامًا قطع دابر علاقتنا به.. وكم من بلد جيّش «فلوله» وميليشياته لزعزعة هيبة بلداننا، فكان حريًا قطع ما تبقى من علاقات معه.