أول مرة أسافر إلى أميركا كانت في منتصف السبعينات، برفقة ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من رجال الأعمال، والثالث محام شهير، أما الرابع الذي هو أنا فلا أعدو إلا أن أكون كمالة عدد.
لا أريد أن أطيل عليكم، المهم أننا وصلنا بسلام، ومكثنا هناك ما يقارب عشرة أيام، وما لفت نظري أن المحامي بعد يومين سافر إلى اليابان، وما هما إلاّ يومان حتى عاد لنا، وبعد يومين آخرين شد الرحال إلى أستراليا، ثم عاد لنا بعد ثلاثة أيام، وبعد يومين أو ثلاثة رجعنا كلنا جميعًا إلى الرياض، وعرفت أن ذلك المحامي لا يستقر على حال، فهو دائم الترحال حول الكرة الأرضية، إلى درجة أن صفحات جواز سفره تمتلئ خلال شهر واحد بأختام الخروج والدخول، وكنت أظن أن ليس هناك إنسان ممحون بكثرة الأسفار أكثر منه، إلى أن قرأت قبل أيام عن رجل أميركي اسمه (ستيف روشتين)، فهو اشترى تذكرة ذهبية من شركة الخطوط الأميركية سعرها (250) ألف دولار، تسمح له بالسفر بالدرجة الأولى مدى الحياة إلى أي مكان يريده.
عندها أصابته محنة السفر والعياذ بالله، إلى درجة أنه يسافر في الشهر الواحد ما متوسطه (18) رحلة، منها مثلاً لو أرادت زوجته أكلة معينة ثمنها (50) دولارًا في كندا خطف رجله إلى هناك، وإذا أراد أن يحضر مباراة في كرة القدم في البرازيل لا يرده غير (ريو دي جانيرو).
وما لكم بكثرة الحكي، فقد سافر إلى إنجلترا على سبيل المثال (500) مرة، وإلى أستراليا (70) مرّة، وإلى طوكيو (120) مرة، وعدد سفراته خلال عشرين عامًا كانت عشرة آلاف مرّة، قطع خلالها أكثر من عشرة ملايين ميل، ولا أستبعد أنه ذهب حتى إلى (شروره) على أطراف الربع الخالي، وأكل هناك (عصيده).
وما إن حسبتها الخطوط الجوية الأميركية، حتى وجدت أنه قد كبدها خسائر في حدود (21) مليون دولار، عندها ضاقوا ذرعًا بكثرة أسفاره العبثية، فاستصدروا أمرًا بمنعه من السفر.
غير أنه لم يستسلم ووكل مكتبًا للمحاماة، ورفع قضية على شركة الطيران وكسبها، مع تعويض له عن حرمانه من السفر، مقداره ثلاثة ملايين دولار اشترى فيها يختًا مع عقد من الماس أهداه لزوجته، فأصبحت الزوجة تتبطح وتستمتع وتمخر عباب الماء طوال الأيام بيختها، في الوقت الذي لا يزال هو يمخر عباب الفضاء على أجنحة الطائرات، فهي تمخر، وهو كذلك يمخر.
يا ليت عندي قلب لكي أمخر مثلما هو يمخر، ولكن الخوف قاتله الله هو الذي (حلحل صواميلي) ولم يكذب الشاعر الشعبي عندما قال:
الخوف ما طوّل قصيرات الأعمار.
TT
الخوف ما طوّل قصيرات الأعمار
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
